كانت الساحة السياسية في موريتانيا حقلاً لحوارات سياسية وتجارب نقاش وطني عام على مدار العقود الماضية، لكنها كانت حوارات وتجارب عقيمة في أكثر الأحيان وقليلة الفائدة غالباً. ففي فجر الاستقلال انتهت "المائدة المستديرة" للحوار بين الأحزاب الوطنية إلى اتفاق على اندماجها في حزب سياسي جامع مهد لنظام الحزب الواحد، ثم أجرت التنظيمات والتشكيلات السياسية في حينها حوارات منفردة مع النظام العسكري الذي أطاح بسلطة الحزب ما أفضى إلى نتائج صفرية دعمت سلطة العسكر في نهاية المطاف وأدت إلى انشقاقات في الصفوف القيادية لتلك التنظيمات.
أما في مرحلة "التعددية الشكلية" الراهنة، حيث أصبح الحوار عملة منقرضة من سوق التداول السياسي الموريتاني، فتفاجأ بالمبادرة التي طرحها ولد سيدي بابا، التي دعت في الآونة الأخيرة إلى لقاء يضم أحزاب المعارضة وحزب السلطة. وهكذا ولدت "المبادرة الحوارية" الأولى في مرحلة افتقدت إلى روح الحوار والتعاطي الصريح والحر مع قضايا الخلاف والتوافق والإجماع والتباين، ليحل محلها شراء المواقف. إلا أن شروط هذه المبادرة وظروفها وخلفياتها المعروفة بداهة للجميع، لا تترك مجالاً للشك في كونها محاولة أخرى لكسب الوقت ومشاغلة الساحة والرأي العام عن قضايا ومتغيرات خطيرة تمور تحت السطح وتعتمل في لحظة ما قبل التحول الذي يكنس معادلات تفرض استمرارها بالقوة المجردة وقوة النقض المعنوي والمادي لدى البعض، وليس على أسس قويمة تعطي ضمان وشرعية لذلك "الاستمرار" الظاهر حتى الآن!.
عمر ولد عبد الرحمن - نواكشوط