زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة تفرض ملاحظة التطورات المحلية والإقليمية التي ترافقت معها. لم يكن من الممكن أن يكون توقيت هذه التطورات بالنسبة للزيارة أفضل مما كان عليه. بعض هذه التطورات يخص السعودية قبل غيرها، والبعض الآخر إقليمي، لكن له علاقة بالدور السعودي، وتقاطعه مع السياسة الأميركية تجاه المنطقة. أحد أبرز الأحداث المتعلقة بالسعودية هو نجاحاتها المتواصلة في مواجهة العمليات الإرهابية التي اندلعت منذ عامين تقريبا. وهذا يعني شيئين: أن السعودية أحد المستهدفين بالإرهاب، ونجاحها في مواجهة الظاهرة على أراضيها يعكس التزاما بمحاربة هذه الظاهرة. وكلاهما يصب في خانة السياسة الأميركية لمحاربة الإرهاب.
التطور الآخر الذي يخص الموقف السعودي، والأكثر أهمية هنا، هو أن أسعار النفط مستمرة في منحناها التصاعدي الذي بدأته قبل أشهر. بل ويتوقع لهذه الأسعار أن تستمر في اتجاهها التصاعدي في المستقبل المنظور، وذلك نتيجة لمعدل النمو الاقتصادي المرتفع، والمستمر أيضا في كل من الصين والهند، أكبر بلدين في العالم من حيث عدد السكان. مجموع السكان في كلا البلدين يمثل ما لا يقل عن ثلث سكان العالم أجمع، وهذا يعني سوقا استهلاكيا ضخما، خاصة بالنسبة للطاقة. وموضوع حيوي بالنسبة للولايات المتحدة أيضا، وقد وصل سعر البرميل في الأسبوع الماضي إلى أكثر من 55 دولارا للبرميل في الأسواق العالمية. واللافت أن هذا لم يغب عن "الخطة الوطنية للطاقة" الأميركية الصادرة عن البيت الأبيض نفسه. وما جاء في الخطة يعكس وضع الطاقة داخل الولايات المتحدة، وما ينطوي عليه من احتياجات متنامية. فوفقا لهذه الخطة تستهلك الولايات المتحدة حاليا أكثر من 25% من النفط المنتج في جميع أنحاء العالم، وأكثر من نصف هذا الاستهلاك يتم استيراده من الخارج.
في سنة 2000 استوردت الولايات المتحدة 55% من حاجتها النفطية من الخارج، منها 14% جاءت من السعودية التي احتلت بذلك المركز الثاني بعد كندا. وتتوقع الخطة أن ترتفع حاجة الولايات المتحدة من النفط المستورد من 52% عام 2000 إلى 64% عام 2020، مما يشير إلى استمرار زيادة اعتمادها في تلبية حاجاتها من الطاقة على مصادر خارجية، تأتي السعودية في مقدمتها. وتزداد هذه الأهمية عندما نعرف أن منطقة الشرق الأوسط بمفردها تملك 67% من الاحتياطي النفطي المعروف في العالم، وما يقدر بـ 25% من ذلك الاحتياطي يوجد في السعودية.
هذه الصورة لأوضاع النفط عالميا، والضغوط السياسية على الإدارة بسبب ارتفاع أسعار النفط، ومعه أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة يتطلب تدخلا سعوديا لكبح جماح هذا التوجه التصاعدي للأسعار. طبعا باعتبارها تملك أضخم احتياطي نفطي في العالم، تفضل السعودية أن تبقى أسعار النفط معتدلة. السؤال هل تستطيع أن تفعل الكثير من هذه الناحية؟ ومتى سيكون بإمكانها أن تؤثر على الأسعار بشكل حاسم، كما كان عليه الأمر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؟. هذا يتطلب استثمارات ضخمة لتطوير القدرات الإنتاجية السعودية. حاليا تصدر السعودية حوالي 9.5 مليون برميل يوميا، وتستطيع إضافة مليون ونصف المليون إلى ذلك. لكن المشكلة حاليا، كما يقول السعوديون، لا تتعلق بالإمدادات، بل بتوفر المصافي، خاصة داخل الولايات المتحدة. أما على المدى المنظور، ومع الازدياد المطرد في استهلاك النفط، خاصة في جنوب شرق آسيا، تتجه السعودية إلى استثمار حوالي 50 ملياراً لتطوير قدراتها الإنتاجية، لمواجهة الزيادات المتوقعة على الطلب. كل ذلك يؤكد أن حاجة الأميركيين إلى الدور النفطي السعودي في السنوات القادمة لن تتغير كثيرا. والتقاء مصلحة الطرفين في ذلك عكسها البيان الختامي للزيارة.
ثم هناك التطورات المتعلقة بالمنطقة. أهمها استمرار تدهور الوضع الأمني في العراق، إلى جانب دخول العملية السياسية في هذا البلد حالة تأزم غير مسبوقة. حيث لا يزال من المتعذر تشكيل الحكومة الانتقالية، رغم مرور ما يقرب من الثلاثة أشهر على انتهاء الانتخابات. الطرف الأبرز في هذا التدهور، وذلك التأزم السياسي يتمثل في العرب السنة. وهنا تأتي الحاجة إلى دور سعودي قد يساعد على حلحلة الوضع. المطلوب من السعودية هو التدخل لدى السنة. ما هو المطلوب تحديدا هنا، ليس واضحا تماما. لكن ربما أن الأميركيين ينتظرون من السنة قبولا واضحا بالتحول السياسي الذي حصل في العراق، وتخفيض سقف مطالبهم السياسية. ربما أن الأميركيين ينظرون إلى مطالب السنة على أنها تعجيزية. لكن الحقيقة أن المشكلة تكمن أساسا في تبني آلية المحاصصة الإثنية والمذهبية في العراق كمدخل لتسهيل التحول الذي أحدثه الأميركيون بغزوهم العراق.
والمهم هنا ملاحظة أن السعودية بقيت بعيدة عن المشهد السياسي العراقي منذ الغزو الأميركي خوفا من أشياء عدة، أحدها الحساسية الأميركية، وما قد تنطوي عليه من شكوك. وها هي الولايات المتحدة تفتح الباب أمام السعوديين للدخول إلى هذا المشهد. لعب السعوديون دورا واضحا في حلحلة ال