"أميركا ترصد 270 مليون دولار لإصلاح التعليم في العالم العربي"... كان ذلك عنوان خبر نشرته إحدى الصحف العربية قبل أيام، وفي تفاصيله، أن نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى الست اليزابيت تشيني، أفادت بأن إدارة بوش طلبت 30 مليون دولار إضافية في إطار برنامج إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط لعام 2006، ليصل بذلك المبلغ الإجمالي للبرنامج الى 270 مليون دولار.
وجاء في الخبر أيضا، أن الست تشيني التي تشرف على المبادرة الأميركية الشرق أوسطية، ترى "أن إصلاح التعليم في العالم العربي والإسلامي يهدف الى القضاء على إنجذاب الشبان الى التطرف". كما أكدت الست تشيني للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أن "برنامج الشراكة مع الشرق الأوسط الخاص بالمدارس" يسعى لإصلاح التعليم في المرحلتين الإبتدائية والثانوية ويهدف الى وقف سيطرة الحكومات في العالم العربي على قطاع التعليم(؟!).
وأضافت الست تشيني، "إننا بحاجة الى دعم المجهودات للتأكد من أن المدارس في المنطقة تعلم التسامح...وأن النظام التعليمي يتميز بتحكم محلي أكبر وبتعاون رجال الأعمال المحليين والآباء في بلورة التعليم الذي يقدم لأبنائهم...".
أولا، شكرا لأميركا، وللست تشيني على كرمها وعطفها، وصحيح أنه لا يجب "وزر وازرة وزر أخرى"، إلا أنه يبدو أن، ما أخذه الأب ديك تشيني ورفاقه في شركة "هاليبرتون"- وما أدراك ما "بلعت" هاليبرتون من أموال العراق - باليمين، تحاول الابنة المصون أن ترد واحدا بالألف منه باليسار.... ولكن على حساب دافع الضرائب الأميركي.
ثانيا، شكرا لأميركا أنها خصت العالم العربي بإشراف الست تشيني على برنامج تربية أولادنا، وهي التي تعترف علنا بأنها سحاقية. قد يدخل هذا الموضوع ضمن إطار الحريات الشخصية، ونحن نحترم تلك الحريات، لكن لتكن بعيدة عن تربية أجيالنا...التي تكفيها نكباتها وأمراضها.
ثالثا، شكرا للست تشيني التي تريد من مدارسنا العربية والإسلامية أن تعلم التسامح، مثلما تعلمه المدارس الأميركية التي يدخلها التلامذة وهم مسلحون وترتكب فيها بين كل أسبوع وآخر مجزرة بطلها أحد التلامذة "المتسامحين". وهنا لا بد من سؤال للست تشيني: ماذا عن المدارس العبرية- اليهودية التي تعلم التطرف، والمدارس المسيحية التي تعلم التسامح وتتمسك بالطائفية؟
رابعا، شكرا للست تشيني التي تريد تصليح التعليم العربي والإسلامي بهدف القضاء على إنجذاب الشبان نحو التطرف، ونسألها عن "المتطرفين – الإرهابيين" الذين تخرجوا من جامعات الولايات المتحدة الأميركية، قبل أن يصبحوا "إرهابيين". ترى ما الذي دفعهم الى ذلك؟ وسؤال آخر: ما الذي يدفع الشبان المسلمين في بريطانيا وفرنسا وأستراليا، وهم تعلموا منذ ولادتهم حسب المناهج التعليمية "المتطورة والمستنيرة" في تلك البلاد الى مواقف ترفض كل ما له علاقة بالنظم السياسية والاجتماعية الغربية؟
خامسا، ليت الست تشيني تشرفنا الى العالم العربي الذي تريد من رجال الأعمال، والآباء إصلاح التعليم فيه، لتشاهد كيف لا يهم معظم رجال الأعمال سوى الربح الوفير، وممكن أن يتم ذلك عبر فتح المدارس الخاصة الباهظة الأقساط- ولا أعتقد أن هذا ما قصدته الست شيني-.أما عن الآباء فحدث ولا حرج، ونحن هنا لا نتحدث عن النخبة بل عن العامة... فكيف يستطيع أب سلبت معظم حقوقه السياسية – هذا واقع الحال في معظم العالم العربي- أن يساهم في تعليم ابنه التسامح؟ كيف يستطيع أب عربي عاش اغتصاب فلسطين، والجولان، وسيناء، ولبنان، ويعيش تبعات الاحتلال الإسرائيلي المباشرة وغير المباشرة، أن يعلم ابنه أو ابنته التسامح؟. كيف يعلم أب خائف من التعبير عن رأيه معاني الحرية؟.
الخوف في الأغلب يولد الخوف، ويولد النقمة...التي تؤدي في النهاية الى انفجار...كيف وأين، فهذا موضوع آخر؟