بدأ الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف زيارته التاريخية للهند في الأسبوع الماضي بالتوقف في راجستان، الولاية الهندية الصحراوية التي اشتهرت قديما كموطن "لمهراجات" الهند الأثرياء وحديثا كمكان لإجراء التجارب النووية، وذلك لزيارة بلدة اجمير حيث ضريح الخواجة معين الدين حسن تشيشتي، أحد أشهر أولياء الصوفية في شبه القارة الهندية وأكثرهم ذكرا وتبجيلا وإحاطة بالأساطير.
أمام الضريح المقدس صلى الضيف معتمراً عمامة حمراء كما تقتضي الطقوس وقال إنه جاء يحمل رسالة سلام وتعاون إلى الهنود طالبا بركات صاحب الضريح. إلى هنا والقصة تبدو عادية. فقد سبق مشرف في زيارة الضريح التماسا للبركة زعماء باكستانيون آخرون مثل ضياء الحق وبي نظير بوتو وزعماء بنغلاديشيون مثل الجنرال حسين محمد إرشاد والشيخة حسينة واجد، وذلك ضمن تقليد دشنه أباطرة الهند المسلمون قبل أكثر من أربعة قرون على نحو ما سيأتي ذكره.
غير أن زيارة مشرف للضريح أحيطت هذه المرة بجملة من التفسيرات والتعليقات الموحية بأن عملية السلام المعقدة في شبه القارة الهندية بات لا ينفع معها إلا استثمار الأساطير ذات المكانة الرفيعة في عقول العوام وغيرهم في الهند وباكستان معا. وبعبارة أخرى كان لابد، من أجل كسب دعم وقبول عقول لعبت بها الدعاية والدعاية المضادة طيلة ستة عقود فصارت غير قابلة لاستيعاب ما تنطوي عليه العملية السلمية من تنازلات وحلول توفيقية، أن يقال إن مشاريع السلام المطروحة تحظى برضا ودعم أولياء الله الصالحين. شيء لا اعتراض عليه بطبيعة الحال إن كان يخدم هدف السلام السامي.
لقد قيل إن آخر ما كان ينوي الرئيس مشرف عمله في زيارته السابقة إلى الهند في عام 2001 هو أن يزور قبر الخواجة. ورغم أن الزيارة لم تتم بسبب خلافات نجمت في اللحظة الأخيرة حول مشكلة كشمير المستعصية مما جعل مشرف يعود من نيودلهي إلى بلاده مباشرة، فإن البعض روج في حينه مقولة إن سبب فشل الرئيس الباكستاني في زيارة الضريح هو أن صاحب المزار غير راض عن الزائر. بل إن وزير الخارجية الهندي وقتذاك جاسوانت سينغ الذي ينحدر من ولاية راجستان قال تعليقا على الواقعة "فقط أولئك الذين يدعوهم الخواجة يحظون بشرف زيارة قبره"، وذلك في إشارة مبطنة إلى أن عدم تحقق أمنية مشرف سببه عدم توجيه دعوة له.
الفرضية السابقة، إن صحت، تستدعي القول إن نجاح مشرف في الوصول إلى الضريح هذه المرة سببه العكس، أي وجود دعوة مقرونة برضا صاحبها عن الزعيم الباكستاني وجهوده السلمية، خاصة وان الزيارة تزامنت - كما لو كان الأمر مقصودا من أجل ترسيخ الفكرة وإعطائها أبعادا إضافية - مع الذكرى السنوية لوفاة الولي الصوفي قبل 772 عاما. لكن من هو الخواجة معين الدين الذي صار اسمه اليوم مقترنا بمصطلح جديد في القاموس السياسي هو دبلوماسية زيارة أضرحة الأولياء، من بعد دبلوماسية الكركيت ودبلوماسية الحافلات ودبلوماسية الجنائز ودبلوماسية الزلازل؟
لم يدون الرجل مذكراته ولم يؤلف كتابا يحوي أفكاره، بل لم يعثر له على تعليمات أو توجيهات مكتوبة بخطه. إلى ذلك فإنه لم يترك ذرية تخلفه وتحافظ على آثاره لأنه تزوج قبل وفاته في سن الخامسة والتسعين بسبع سنوات فقط. وهكذا فإن كل ما كتبه الآخرون عنه إنما استند إلى مرويات شفهية انتقلت من جيل إلى آخر عبر القرون الطويلة، الأمر الذي لا يستبعد معه أن يكون بعض ما نسب إليه أو أضفي على سيرته هو من قبيل المبالغة بقصد ترسيخ اسمه كصاحب معجزات وكرامات.
ولد الخواجة معين الدين في بلدة سيستان في إيران في عام 1138 من أسرة يقال إن نسبها يعود إلى الإمام علي بن أبي طالب. وتوفي والداه الخواجة غياث الدين والسيدة بيبي أم الورع وهو في سن السادسة عشرة، تاركين له مزرعة يقتات منها. لكن الصبي سرعان ما باع كل أملاكه ووزع قيمتها على الفقراء بقصد الرحيل طلبا للعلم. هنا يأتي دور الأساطير في تفسير ما حدث. حيث يقال إنه بينما كان يعمل في مزرعته مر عليه عالم صالح فأطعمه شيئا من كيس يحمله، وبمجرد أن أنهى مضغ ذلك الشيء بانت على وجهه أنوار الحكمة والمعرفة وتطلعت روحه إلى الاستزادة من العلم. بعد هذه الحادثة، سافر الخواجة إلى بخارى وسمرقند اللتين كانتا وقتذاك مركزا للثقافة والعلوم. وفيهما أتم تحصيله العلمي ليتبعه بجولات قادته في النهاية إلى ملازمة العالم الصوفي المشهور عثمان هاروني والتتلمذ على يده لمدة عشرين عاما انتهت بذهابهما معا لأداء فريضة الحج.
أثناء وجود الرجل في المدينة بجانب قبر الرسول، حدث ما يعتبر المنعطف الأهم في حياته. إذ يقال إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم جاءه في المنام آمرا إياه بالذهاب إلى الهند تحديدا لإصلاح أحوالها وهداية أهلها إلى طريق النور. وتلبية للأمر النبوي، توجه الخواجة إلى الهند مرورا بإيران وأفغانستان وألقى رحاله في دلهي أولا، حيث تعرف على زعماء الطريقة الصوفية وكون لنفسه أتباعا وشهرة كولي من أولياء الله الصالحين. لكن الرجل كان يستهدف إقليم راجستان لاعتبارات