أثار اجتماع الكرادلة الكاثوليك في الفاتيكان بعيد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني - رحمه الله- تساؤلات في خاطري، وأخذتني هذه التساؤلات بعيدا إلى دنيا الأحلام، وسافرت بي إلى عالم التمنيات والتفاؤل المفرط المرتبط بالرومانسية والطوباوية معا.
كان أكثر من مئة وخمسة عشر كردينالا قد اجتمعوا في الفاتيكان على مدى يومين، وكانت الاجتماعات التي لم تتوصل إلى اختيار حبر أعظم جديد تنتهي بإطلاق دخان أسود من مدخنة مكان الاجتماع، وقد استمر تصاعد الدخان الأسود هذه المرة يومان فقط، وكان قد طال لأكثر من سنتين ونصف في القرن الثالث عشر عندما أخفق الكرادلة طيلة تلك المدة في انتخاب البابا الأعظم.
رأيت في ظهور الدخان الأبيض رمزية تجاوزت اختيار البابا. فهي ترمز إلى الوفاق والاتفاق، وتعني الاستقرار على ما تم من اختيار، وتنهي ظهور الدخان الأسود ليستبدل بالأبيض. ورحت أسأل نفسي، متى ينجلي الدخان الأسود الذي يخيم على سماء عالمنا العربي؟ ومتى نرى بياض الأدخنة البيضاء برمزيتها ورسالتها؟
ففي العراق يستمر تصاعد الدخان الأسود، ينفث الحقد والدماء، ويشيع السواد ويكسو النساء حدادا. ويتصاعد الدخان الأسود من السيارات المفخخة والانتحارية الإرهابية، ويستمر مسلسل القتل العشوائي الإرهابي ضد المدنيين العزل. وينفث الدخان في الهواء زفير الطائفية البغيضة، ودخان الجهل والرجعية، ودخان الإفلاس واليأس ممن تلاشت مصالحهم من دون رجعة من الصداميين الذين راحت إرادة الشعب العراقي تسحق أحلامهم، وآمالهم.
في فلسطين يستمر دخان الاحتلال، ودخان مصانع توسعة المستوطنات، ودخان العجز العربي الأسود، بل ودخان الشلل الذي أودى بالعقول. لم تر الولايات المتحدة دخان الجدار الأسود، ولم ير العرب – بعجزهم السرمدي- في الجدار فرصة لحملة إعلامية عالمية. كما أنهم لم يفكروا تفكيرا مختلفا بتشجيع الجدار والحرص على بنائه واستمراره وتكريسه كإعلان إفلاس يحدد حدود الدولة اليهودية التوسعية، فهذا النوع من التفكير أكبر من الفكر العربي السياسي الحالي.
واستمر الدخان الأسود يظلل سماء الكويت، باستمرار "اختطافها" من قبل ثقافة الإرهاب وحرمان المرأة الكويتية من حقوقها السياسية، مع أن مجلس الأمة الكويتي كان قد صوت الأسبوع الماضي في مداولة أولى على منحها هذا الحق تصويتا وترشيحا في الانتخابات البلدية، ولكنه سوف يتعثر في المداولة الثانية حين يضيف بعض المعارضين على هذا الحق تعديلات سترفضها الحكومة فتعود المسألة إلى نقطة الصفر ويستمر الدخان الأسود في التصاعد.
وفي لبنان عاد الدخان الأسود ينذر بالعودة إلى سنوات الحرب الأهلية. ولا زال اللبنانيون يصرون على التماسك في وجه الدخان الأسود الذي ينشر معه روح البغضاء والحروب والموت.
ولعل أشد أنواع الدخان الأسود سوادا، وأحلكه ظلاما هو دخان العقول المتحجرة، التي تعيش في الماضي أكثر مما تعيش في المستقبل، وتحن إلى الوراء أكثر مما تتطلع إلى الأمام، وترفض التعامل مع الواقع بواقعية، تغيب العقل، وتقدم الخرافات.
نماذج غيض من فيض من الأدخنة السوداء التي تغطي سماء عالمنا العربي، ولقد طال انتظارنا للدخان الأبيض الذي يبشر بالوفاق، وينهي المذابح في العراق، ويحل السلام في لبنان، وينصف المرأة في الكويت، ويوقف جدار العنصرية في فلسطين، أو يحوله إلى خط تتوقف عنده التوسعية والاحتلال.