في علم الإدراك يقال إن الإنسان لا يرى بعينه أو يسمع بأذنه، بل هو حقيقة يرى بعقله وعاطفته أكثر مما يرى بالأجهزة المسؤولة عن الإحساس وقديما قالت العرب: يعاد حديثها فيزاد حسنا --- وقد يستقبح الشيء المعاد.
نعم، فالحديث ممن تحب يختلف عن الحديث ممن لا تجمعك به علاقة أو ممن تكره. لكن الحب الذي أتكلم عنه اليوم هو من صنف آخر، إنه حب يربط بين الإنسان وعالمه الخاص الذي يتمحور حوله. دعوني أضرب لكم بعض الأمثلة: لو كانت الخطة التي تمشي عليها مؤسستك من بنات أفكارك فإنك ستتعصب لهذه الخطة إلى درجة أن هذا التعصب يحول بينك وبين سماع بعض الملاحظات الواردة في هذه الخطة، فتأخذ من الناحية النفسية دور المدافع الذي لن يسمح لأحد بانتقاد خططه وبرامجه، وفي النهاية تكون أنت الخاسر لأنك حجرت على عقلك وأطرته بما يحول بينه وبين الاستفادة من الرأي الآخر.
قد تكون هذه الحالة مقبولة إلى حد ما على الصعيد الشخصي، لأن خسائرها وإن تعدت فستكون محدودة. فمثلا لو أحب أحدنا فتاة وأعماه حبه عن الاستماع إلى ما يقوله المخلصون من حوله، وأتم حبه بالزواج، فإن اكتشف بعد ذلك أن الأمر كان خطأ من البداية وقرر الاثنان الفراق بالطلاق، فإنهما الخاسران من تجربتهما هذه. وربما يضاف إلى المجتمع اثنان من المطلقين وهما يمثلان رقما لا أكثر من ذلك. لا شك أن النتيجة ستكون أسوأ لو أن بينهما أولاداً، لكن على كل حال فالخسائر ستبقى محدودة.
المصيبة تكمن عندما يتبنى بعض المسؤولين عن قطاعات كبيرة في مجتمعاتنا العربية مثل هذه العقلية، وهي الحب الذي يعمي، عندها فإن الخسائر تكون كبيرة، وربما غير محددة لأن القطاعات الكبيرة تأثيرها ممتد. فلو قرر مثلا مسؤول عن محطة تلفزيونية بث الأغاني الخليعة على الهواء، لأنه يحب هذا النوع من الأغاني ولم يستمع إلى ما يقال حول خطورة مثل هذه المادة الإعلامية، فإنه بلاشك يؤثر ليس على نفسه فقط، كما هو حال المحب في المثال الأول، لكنه سيؤثر في قطاع كامل من الناس، ومن هنا وجب تدخل جماعات الضغط كما يقال باستخدام كافة الطرق القانونية لتعديل مفهوم الحب عند هذا المسؤول ولو وصل الأمر إلى الحجر عليه.
تخيل لو أن هذه الممارسة هي التي تقاد بها وزارة في دولة ما، فإن المصيبة تكون أنكى وأشد، عندما يتصرف الوزير بناء على مفهوم الحب الذي يعمي. لذلك تداعى عقلاء الناس في دول العالم المتقدم إلى وضع ضوابط بين الحقوق الشخصية للإنسان كحقه في أن يحب ومن ثم يتزوج، وبين حقه في استخدام نفس الحب في إدارة مؤسسة عامة. ومن تلك الضوابط مثلا وجود القوانين الواضحة التي تحد من صلاحيات الوزراء لما فيه تحقيق العدل بين الناس وإدارة المؤسسات لما فيه خير الوطن، ومنها وجود المجالس، لا أقول الاستشارية التي تعرض عليها الأمور بعد أن تكون الأقلام قد جف حبرها وطويت صحفها، لكن قبل أن يقع الفأس في الرأس.
ومن أهم الممارسات التي تجري في الدول المتقدمة الاستفادة من الجمعيات المهنية المتخصصة. فلو أراد وزير العدل مثلا تعديل بعض جوانب القانون فلن يضره شيء لو استنار برأي جمعية الحقوقيين. ولو قرر وزير الصحة تعديل الإجراءات فلن يتأذى لو أنه استعان بجمعية الأطباء. كذلك الأشغال بإمكانها التعاون مع جمعية المهندسين والتربية لديها جمعية المعلمين. كل هذه المؤسسات في المجتمع المدني لها أدوار واضحة يستفيد منها صانع القرار، لان العرب تقول "من شاور الناس شاركهم عقولهم". وبهذا يتحول الحب الأعمى لدى الإنسان إلى غرام يضيئه نور العقل مما يجعل خواتمه ناجحة، وعواقبه فاعلة.