يبدأ عيد الفصح في الخامس عشر من شهر نيسان حسب التقويم اليهودي (والذي يوافق 24 إبريل هذا العام). ويستمر العيد سبعة أيام في إسرائيل، ويحرم العمل في اليومين الأول واليوم الأخير. أما بالنسبة لبقية أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء العالم فيستمر العيد ثمانية أيام ويحرم العمل في اليومين الأولين واليومين الأخيرين. والاحتفال بالأعياد خارج إسرائيل مدة يومين (ما عدا عيد يوم الغفران) ناتج عن عادة قديمة مصدرها الخوف من عدم وصول الحجاج إلى الأرض المقدسة في الموعد المحدد، فكانت الأعياد تزاد يوما من باب الاحتياط.
وثمة تفسير آخر يذهب إلى أن اليوم الإضافي تعويض عن غياب قداسة الأرض بسبب وجودها في يد المغتصبين، أي الفلسطينيين أصحاب الأرض! وحيث إن اليهودية الإصلاحية تحاول أن تطهر اليهودية من العناصر "القومية"، ومنها التمسك بالعودة إلى الأرض المقدسة (أي فلسطين)، فإن اليهود الإصلاحيين يكتفون بالاحتفال بالعيد في أيامه المقدرة دون إضافة أية أيام.
وقد أشرنا في المقال السابق إلى أن الأعياد اليهودية أعياد ذات مغزى تاريخي وذات مغزى طبيعي بسبب حلول الإله في الشعب وفي الأرض. فحلوله في الشعب يعطي للعيد مغزى تاريخي، وحلوله في الأرض يعطيه مغزى طبيعي (زراعي). وتتبدى هذه الحلولية في أسماء عيد الفصح، فهو عيد العبور (بالعبرية: بيساح) إشارة إلى عبور ملك العذاب فوق منازل العبرانيين دون المساس بهم، وإشارة إلى عبور موسى البحر. وهو أيضا عيد "زمان حيروتينو" (زمان حريتنا) إشارة إلى ذكرى نجاة شعب إسرائيل من العبودية في مصر ورحيلهم عنها. وهو كذلك عيد خبز الفطير غير المخمر (حج ها متسوت). وخبز الفطير (خبز المتسوت) هو الخبز الذي لا تدخله خميرة، والذي لا يأكل اليهود سواه طيلة هذا اليوم، تذكيرا لهم بأنهم عند فرارهم مع موسى من وجه فرعون لم يكن لديهم وقت للتأنق في الخبز أو الانتظار على العجين. كما أن الرغيف المخمر حينما يخبز فإنه ينتفخ، وهذا رمز الكبرياء، وبالتالي فإن أكل خبز الفطير غير المخمر هو رمز التواضع. ويوضع على مائدة عيد الفصح ثلاثة أرغفة من خبز الفطير ترمز إلى كل من الكهنة واللاويين وجماعة إسرائيل (ويضيف البعض رغيفا رابعا رمزا لليهود المضطهدين في بعض بلاد العالم). ومن يأكل خبزا مخمرا في هذا اليوم ينظر إليه وكأنه انفصل عن الشعب اليهودي. وهو أخيرا العيد الذي كان يضحى فيه بحمل أو جدي (باشال). وهذا ينقلنا إلى المغزى الطبيعي (أو الكوني) للعيد، إذ يشار إلى عيد الفصح بأنه عيد الربيع (حج ها آبيب)، ويكون العبور هنا هو عبور الشتاء وحلول الربيع.
وطقوس الاحتفال بهذا العيد كثيرة ومعقدة، فيبدأ العيد بليلة التفتيش عن الخميرة، إذ يجب على اليهودي أن يتأكد من أن أية خميرة تصلح للخبز قد أبعدت تماما عن البيت. وحيث إن الدولة الصهيونية تسمى "بيت إسرائيل"، فلابد وأن تطهر هي الأخرى تماما من الخميرة. وقد لجأ الحاخامات إلى حيلة شرعية فتباع الخميرة في إسرائيل لأحد العرب قبل عيد الفصح ثم تشترى بعد العيد. بعد ذلك يبدأ الجانب الاحتفالي ويسمى "سدر" وهي كلمة عبرية تعني "نظام" أو "ترتيب". ويتَّبع السدَر نظاماً محدَّداً، فيحمد اليهودي الإله على أنه أعطى جماعة إسرائيل أعيادها، ثم تُغسَل الأيدي فيما يشبه الوضوء. وتدور معظم الطقوس حول أمرين: مائدة الفصح، وحكاية الفصح. فتوضع على مائدة الفصح حزمة من النباتات المرة كالخس أو الشيكوريا أو الكرفس (مارور)، ثم كأس من الماء المالح أو المخلوط بالخل (رمز الحياة القاسية التي عانوا منها في مصر، ورمز دموع جماعة إسرائيل) أو المأكولات الكريهة على النفس (مثل تلك التي أكلها أسلافهم أثناء الفرار في الصحراء). وبجانب ذلك يوضع شيء من الفاكهة المهروسة أو المدقوقة في الهاون والمنقوعة في النبيذ (رمز الملاط الذي كانوا يستخدمونه في البناء في مصر)، كما يوضع ذراع خروف مشوي (تذكرةً بالحمل الذي كان يُضحَّى به)، وبيضة مسلوقة (تذكرةً بقربان العيد)، وثلاثة أرغفة من خبز الفطير. ويتم تناول هذه الأطعمة والمأكولات حسب نظام معيَّن، فتُغمس الأعشاب في الماء المالح، ويُكسر رغيف الفطير الأوسط، ويُخبأ نصفه ليبحث الأطفال عنه، ولا يؤكل هذا النصف إلا بعد نهاية الوجبة. وتوضع على مائدة الفصح أربعة أقداح (أربع كوسوت) من النبيذ يشربها أعضاء الأسرة، وهي ترمز إلى وعد الإله لليهود بتخليصهم وقيامه بإنقاذهم من مصر بنفسه دون وساطة. وقد تمت عملية الإنقاذ على أربع مراحل (سأخرجكم، وسأرسلكم، وسأخلصكم، وسأجعلكم شعبي المختار). كما يُقال إن الكؤوس الأربعة رمز للشعوب الأربعة التي أذلت العبرانيين، وهم: البابليون والفرس واليونانيون والرومان. ويُضاف قدح خامس يُترك دون أن يمسه أحد لأنه كأس النبي إيليا الذي سينزل من السماء قبل قدوم الماشيَّح (المسيح المخلِّص اليهودي). كما يضاف أحياناً الآن قدح سادس وتصحبه صلاة شكر للإله على قيام دولة إسرائيل!
وأمام مائدة الفصح، توضع أريكة يضطجع عليها رئيس العائلة، ويقص على