أحدث ما أنجز من اتفاق بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها العقيد قرنق، كان قدراً من النشاط والحراك السياسي داخل السودان استعداداً للمرحلة المقبلة التي ستتميز بالصراع والتنافس الديمقراطي للوصول إلى السلطة، وعلى رغم أن المرحلة الانتقالية المقبلة سيكون الحكم فيها مشاركة ثنائية في الأساس بين حزب الحكومة الحالية وحزب قرنق فإن الباب مفتوح بعد تلك المرحلة لتنافس يشارك فيه الجميع كل حسب قدراته في استقطاب التأييد·
إن أوضح وأبرز مظاهر ذلك الحراك السياسي سعي عدد من الأحزاب السياسية لبناء تحالفات فيما بينها تقوي فرصها عندما يحين موعد التنافس الحر· ولعل واحداً من دواعي هذا الحراك أن الحزب الحاكم أعلن أكثر من مرة أنه يسعى ويأمل في أن يقيم تحالفاً في الفترة الانتقالية يقتصر على ذلك الحزب والحركة الشعبية التي يقودها العقيد قرنق· وعلى رغم أن الأخير لم يعلن موافقته على ذلك التحالف رسمياً إلا أنه في ذات الوقت لم ينفه تماماً· وحسب اتفاق ماشاكوس الذي يشكل الإطار الأساسي للمفاوضات الجارية بين الحكومة والحركة حالياً فإنه لابد من قيام حكومة ذات تمثيل أوسع ولكنها حسبما هو معلوم فإنها ستكون في جوهرها مشاركة بين الحكومة الحالية ومجموعة قرنق مع إضافة قوى أخرى لن يتعدى نصيبها أكثر من نحو 15% من المناصب الوزارية أو التشريعية وغيرها من المراكز المهمة في السلطة·
في بداية الأسبوع الأخير من الشهر الماضي أعلن عن قيام تحالف جديد يضم حزب الأمة الذي يقوده الصادق المهدي وحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن عبدالله الترابي وحزب صغير آخر يحمل اسم الناصريين· وما يجمع هذه الأحزاب هو معارضتها لنظام الحكم القائم وخوفها من أن يظل ممسكاً بزمام الحكم حتى بعد الفترة الانتقالية·
إن بعض قادة هذا التحالف الجديد يقولون إنه لن يكون معارضاً للتجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم الحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وتنظيمات مناطقية وقبلية أخرى، وهو التنظيم الذي ما زالت جماعة قرنق عضواً فيه وهو ذاته كان حزب الأمة الذي يقوده السيد المهدي مؤسساً وعضواً فيه حتى مطلع هذا القرن· إن أولئك القادة يقولون إن تحالفهم الجديد سينسق سياساته مع التنظيم المعارض الآخر التجمع الوطني الديمقراطي، ولكن المراقبين يرون أن هذا التحالف الجديد من شأنه أن يضعف من قدرات وفرص التجمع الديمقراطي الذي ظل يسعى خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة ليقنع السيد الصادق المهدي وحزبه بالعودة إلى عضويته إلا أنه لم يوفق في ذلك وفضل حزب الأمة الآن أن يتحالف مع حزب الدكتور حسن الترابي·
ومهما يكن من أمر فإن هذا التحالف الجديد والمشار إليه هنا لن يكون هو النتاج الوحيد للحراك السياسي الذي بدأ في السودان استعداداً للمرحلة المقبلة لا سيما والمتوقع أن تصل المفاوضات التي ستستأنف في كينيا بعد عطلة عيد الفطر المبارك إلى نهاياتها قبل حلول العام المقبل· بل إن التطورات المقبلة والواقع الذي عاشه السودان خلال عقد ونصف من الزمان في ظل حكم شمولي لابد لكل هذا أن يعزز تحويلات وتحالفات جديدة تعبر عن الواقع وتلبي الطموحات والمطالب الشعبية في مناطق السودان على اختلافها·