هنالك شواهد عديدة تثبت لنا أن التعلّق بالوهم لا يمكن إلا أن ينتج عنه سقوط محتّم. والتعلّق بالوهم السياسي، بكل ما فيه من مشاهد العظمة، أو الشعور الزائف بها، والمبالغة في الحنين السياسي للماضي وآثار الخلف، والاستعراضات "الإعلانية" عن القوة العسكرية، كل ذلك لا يفيد الشعوب ولا يمكن أن يحقق التنمية والتطور الذي تنشده الحكومات والشعوب معاً.
فالحنين السياسي (Political Nostalgia) الذي يتشكل بعدة صور، لعل أبرزها التعلّق بشعارات معاداة الاستعمار، وعودة الأراضي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتنمية الشاملة من أجل الشعب، وأمة عربية واحدة... إلخ. كل ذلك لم يسهم في جعل أي حكومة عربية تُنتج إبرة خياطة... أو حتى لمبة إضاءة.. اللهم إلا التي تحترق بمجرد وصول التيار إليها. ولقد استغلت الحكومات الهشة التي اعتمدت على الضجيج الإعلامي، لإلهاء الشعوب عن حقيقة الأوضاع، استغلت جهل هذه الشعوب، وبالتالي حكمتها بالنار والحديد. وبدلاً من أن تفتح المدارس والمستشفيات بالغت في فتح السجون، وزوّدتها بفنون التعذيب والقهر. ولسوف تعلمون بعد أن يتغير نظام عربي عما قريب، كيف كان الإنسان يُهان في ذلك البلد!
فالتعلّق بالوهم السياسي خرّج لنا عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل، ومثلهم من يقف في المنابر مدافعاً عن ذلك الوهم، مادحاً الحكومة الرشيدة ورفقاء المسيرة على ما بذلوه من أجل البلد والرخاء العام. وبعد ثلاثين عاماً نجد شعب هذا البلد يتسول في بلاد الله... وأيضاً يردد مقولات الرفقاء حيث تم ختم عقله بتلك المقولات والشعارات الزائفة. نقول هذا الحديث بعد شواهد تاريخية أثبتت أن الكلام -وهو سلاح عربي- لم يسهم في ردّ شبر محتل من الأراضي العربية، وأن الكلام لم يحارب بؤر الفساد في البلاد العربية، وأن الكلام لم يمنع دور الاستخبارات من التنكيل بالشرفاء الذين يحاولون بناء مستقبل جديد لأوطانهم، لكنهم "طاروا" لأنهم لا يؤمنون بالكلام، بل بالعمل.
الوهم العربي أو العروبي أو الانتمائي الزائف الذي طبع كتبنا المدرسية، وصحفنا وأغانينا وكذلك عقولنا لم يقدّمنا قيد أنملة مع شعوب العالم المتحضر... بل أخرج من بين ظهرانينا الإرهابيين، والمتعصبين، ومكفّري المسلمين، وممارسي العادات الشاذة في السياسة والإعلام.
هذا الوهم الذي طوّره أساتذة التاريخ واللغة والسياسة، كان بعيداً جداً عن الفكر الياباني، أو التوجه الماليزي... بل والإنتاجية التايلاندية. لقد حقنونا بالتاريخ وربطوا الشعوب بالحجارة والأصنام والرقاع الصفراء، حتى فاجأتنا الألفية الثالثة ونحن لا نستطيع وضع أقدامنا على خطى العالم المتحضر (أدرك أن البعض سيقول: لا نريد أن نضع أرجلنا على هذه الخطى ودعونا نعيش أوهامنا). له الحق هذا البعض في قول ما يشاء، ولكن من حق النخب المستنيرة التنبيه إلى أن الأجيال لن تسامح هذه الأمة إذا بقيت خارج التاريخ، وكل ما لديها تماثيل، وبعض قصائد، وأطلال في الأندلس! نعم، الأجيال القادمة ستحاسب هذه الأمة على خنوعها، ورضوخ شعوبها تحت الشعارات الزائفة، والمناهج التي "ألَّهتْ" الحكام، وجعلت من التاريخ المأزوم حكاية لتمجيد الأصنام.
حسناً فعلت سوريا... هذا عنوان مقال سابق لنا في هذه الجغرافية المحدودة. نعم، حسناً فعلت سوريا بالانسحاب من لبنان، وهي بذلك قطعت يداً كانت ستمتد عليها لا يمكنها ردها... لأنها طويلة! وهذا ما ينبئ عن أن بعض رجال هذه الأمة بدأ يفيق من أضغاث أحلام الماضي أو الشعارات التي تملأ واجهات المدن العربية، ويعود إلى أرض الواقع التي لا تتعامل مع الشعارات أو الحنين السياسي للماضي ولعالم الثورات. وحسناً فعلت ليبيا قبل سوريا في التعامل مع الأحداث بعيداً عن الوهم السياسي أو "الأنفة" الزائفة. فمن هو العربي الذي يتمنى أن يحدث للشعب السوري الشقيق أو الشعب الليبي الشقيق ما حدث للشعب العراقي الكريم؟! ومن يريد أن تنطلق رصاصة واحدة لتضرب صبياً وهو في طريقه إلى المدرسة، أو تنطلق قنبلة هوجاء لتهدم مستشفى؟
القيادات حتماً سيحاكمها التاريخ، والتاريخ هو الضمير الذي لا يهادن أحداً، خصوصاً اليوم، في ظل انتشار المعلومات، ووجود شبكات الاتصال الراقية، وتطور مفهوم حرية التعبير، كما أن الخلافات بين الأنظمة تدعم نشر المعلومات المحجوبة، وتجعلها متاحة في البلد المحروم منها!
وإن كنا ننادي بواقعية سياسية لمواجهة الأحداث فيما حولنا، فإننا لا نتحمل وزر هذه المناداة من واقع اليأس، بقدر ما هي من أرضية الأمل، بأنه يكفي ما خسرته شعوبنا من جهد وأعصاب وأموال، ولابد لهذه الشعوب أن تنعم بخيراتها، لا أن تعلقها الحكومات بأوهام الشعارات وتبني لها قصوراً في السماء!
الواقعية السياسية تفرض علينا واقعية سلوكية. فإذا كان الشعب الفلسطيني وقيادته قد اختار طريق السلام، فلماذا يهلّ علينا حاكم عربي ويطلق مدافعه من خلف المايكروفونات؟! وإذا كان العالم كله يسير نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيادة الدول، فلماذا يتم احتلال الدول بغير حق، ولماذا