العراق، كالماء ظاهرة بالغة التعقيد رغم بساطة تركيبها الكيماوي· فالماء، حسب الأديب البريطاني د· هـ· لورانس "يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين، لكنْ هناك شيء ثالث يصنع الماء لا أحد يعرف ما هو"·
الشيء المجهول، الذي يصنع العراق هو الدولة، التي حملت سكان بلاد ما بين النهرين عبر العصور والإمبراطوريات· الدولة غير الحكومة، والخلط بينهما، عن قصد أو جهل قاد إلى مآسٍ كثيرة في تاريخ العراق، كالمأساة الحالية، التي كشفت أن غياب الدولة أشد هولاً من سطوة حضورها· فالدولة العراقية واقعة جغرافية تاريخية، وسيُكتب على الذين حفروا قبرها أن ينفذوا إرادتها· هذه الحقيقة، التي عبّر عنها الفكر السياسي القديم بالأساطير السومرية يعيد اليوم اكتشافها الباحثون الأكاديميون العراقيون· وكما تشكلت الدولة العراقية منذ فجر التاريخ بالتفاعل والتكامل، أو التناحر مع القوى الخارجية يكتشفها الباحثون الآن عبر علاقاتها مع الخارج· المفاجآت في هذا الصدد عراقية بكل معنى، أكبرها مفاجأة الحضور الطاغي للدولة الغائبة· ظهر ذلك في ندوة "العراق ودول الجوار"، التي عُقدت أخيراً في دبي· ساهم في الندوة من العراق باحثون وأساتذة ورؤساء جامعات ومراكز دراسات حكومية وشبه حكومية وأهلية، إلى جانب باحثين من الإمارات والأردن وإيران والسعودية وسوريا والكويت·
قوة غياب الدولة في الندوة تعادل قوة حضورها على امتداد تدرجات علاقات العراق الخارجية، من الجار اللدود إيران إلى العدو اللدود أميركا· وكالشيفرة السريّة تفسر مصالح الدولة سر تماهي شيعة العراق مع إيران ونفورهم منها في آن، وتوضح لماذا تختلط الحسابات التكتيكية والاستراتيجية في الموقف من السعودية والأردن وسوريا وتركيا، وما سبب مرارة مشاعر العراقيين إزاء الكويت، وما الذي يديم المقاومة الدموية للاحتلال الأميركو-بريطاني·
"الحقيقة مرة وقاسية"· يعترف بذلك ضاري رشيد الياسين، رئيس مركز الدراسات الدولية بجامعة بغداد في بحثه "العلاقات العراقية ذ الكويتية"· ويعتذر الياسين بأن "الرغبات والتمنيات والتطلعات شيء، وحقائق السياسة والجغرافية والتاريخ شيء آخر"· الحقائق التي يوردها الياسين تصل إلى فرض الحظر على العراق بعد اجتياحه الكويت عام 1991، ومشاركة الكويت في غزو العراق عام 2003· نتائج ذلك عرضها استطلاع مشترك بين "مركز الدراسات الدولية" في جامعة بغداد و"مركز دراسات الشرق الأوسط" في ديترويت بالولايات المتحدة· شمل الاستطلاع عيّنات من مختلف مناطق العراق، من البصرة حتى الموصل، وكشف أن أكثر من 90 في المئة من الذين استطلعت آراؤهم يعتبرون "دور الكويت في تدمير العراق وإيذائه يأتي في المرتبة الثانية بعد أميركا، تليها إسرائيل ثم إيران"·
وليس هناك أعقد أو أخطر من علاقة دولة العراق بإيران، التي تشكل أطول حدوده الجغرافية وأعقد علاقة تاريخية عبر خمسة آلاف عام· توجز ذلك ورقة جابر حبيب، رئيس قسم الفكر السياسي في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد· يستقصي الباحث ميراث العلاقات التي تتداخل عبر شبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى، وتشكل خليطاً من التعاطف والكراهية، التجانس والاختلاف، الانتماء المشترك وتناقض الهويات· تعقيد العلاقة يتحدّى "رصد مناخها المتحرك بحسب تحرك البيئات الداخلية، وتمشكل بناء الدولة وخيارها الإيديولوجي وانتمائها المصلحي"· شعور إيران الحالي بأنها الهدف التالي للولايات المتحدة جعلها تعتبر العراق خطها الدفاعي الأول، وتسعى لمنع واشنطن من الحصول على الفرصة، أو الوقت الكافيين لتأمين السيطرة الدفاعية على العراق· أحد خياراتها في ذلك هو إبقاء واشنطن منشغلة بالعراق من خلال اللعب بالورقة الشيعية·
ومخاطر تطور أوضاع دولة العراق أشد الآن على السعودية من أي وقت آخر· يرصد ذلك اللواء الركن المتقاعد في الجيش العراقي عبد الوهاب عبد الستار القصاب، أمين عام "مركز الزمان للدراسات الاستراتيجية" في بغداد· يعالج القصاب في بحثه المعنون "عوامل قلق السعودية من العراق" الوضع "الدينامي" الحالي للعراق، كانفتاحه السياسي، وانتعاش دور المرجعية الشيعية في النجف، واحتمال توطن الأصولية الإسلامية وجماعة "القاعدة" في العراق، وضخامة الاحتياطي النفطي العراقي، والبرنامج الأميركي للتعامل مع كل من الاقتصاد والنفط في العراق· وهذه في تقدير الباحث تحديات جدية للسعودية، التي وظفت احتياطات مالية كبيرة في أميركا قد تُستخدم كرافعة قوية للضغط عليها·
ودولة العراق في مختلف السيناريوهات مشكلة خطرة بالنسبة لسوريا· تفاصيل ذلك يعرضها بحث "الآفاق المستقبلية للعلاقات العراقية - السورية" لسعدون جوير الدليمي، رئيس "مركز العراق للبحوث والدراسات الاستراتيجية"· والأردن في مختلف الحسابات جار لا مفرّ منه للدولة العراقية· هذا هو فحوى بحث "العلاقات العراقية الأردنية" لأنور سعيد الحيدري من كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد·
وتكشف الدولة العراقية عن أنيابها، إذا صحّ القول في بحث "تنازع المشروعية بين الاحتلال والمقاومة