ذكرت الجمعية الوطنية للجغرافيا في تصريح لها أنها تعد العدة لإطلاق مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الجينية للتعداد السكاني العالمي وفقاً لمسارات الهجرة التي سلكها البشر من أوطان أجدادهم في أفريقيا. ويهدف البرنامج إلى أخذ 100.000 عينة من عينات الدم من الأهالي في جميع أنحاء العالم قبل أن يتم تحليل هذه العينات من الناحية الجينية. ثم يبدأ الباحثون في عشرة مراكز محلية تابعة للجمعية الوطنية للجغرافيا في واشنطن في تصنيف الأشخاص الذين تبرعوا بدمائهم وفقاً للمسارات التي سلكها أجدادهم القدماء في هجرتهم. وهذا البرنامج يعتبر جزءاً من الجهود الرامية لتحقيق أهداف "مشروع التنوع الجيني البشري"، وهي المبادرة التي اقترحها علماء الجينات البشرية في عام 1991.
ويذكر أن هذا البرنامج قد واجه غضباً سياسياً منعه من تلقي الدعم الحكومي حيث انتقده بعض علماء الاجتماع والثقافة الذين أشاروا إلى أن البحث عن الاختلافات الجينية في التعداد السكاني يعتبر شكلاً من أشكال العنصرية بينما وصفه المدافعون عن الأهالي البسطاء بأنه "مشروع لمصاصي الدماء" يهدف إلى الحصول على معلومات طبية قيمة من دماء القبائل المهددة بالانقراض دون أن يقدم لهم المقابل المطلوب. أما المؤيدون للمبادرة فقد رأوا أنها تكمل مشروع الجينات البشرية الهادف لتفسير الطريقة التي يتنوع بها تسلسل وحدات الحمض النووي في الجينات البشرية بين كل مجموعة سكانية وأخرى. وأن هذا المشروع يمضي على أسس متقدمة حيث يهدف في النهاية إلى تجميع عينات الدم من 52 مجموعة سكانية يتم تصنيفها تحت 1000 نوع من أنواع الخلايا. وكانت أولى التحاليل الرئيسية قد نشرت في عام 2002 وكشفت عن أن الجينات التي تمت دراستها تم تقسيمها إلى خمس مجموعات رئيسية كل منها حسب القارة التي ينتمي إليها وبالتالي إلى مجموعة عرقية محددة. وكذلك فإن هذه الدراسة مع الدراسات الأخرى تفترض أن أفرع شجرة العائلة البشرية في مختلف القارات تعود إلى جذر واحد وهو التعداد السكاني البشري القديم الذي بدأ الهجرة من شمال شرق أفريقيا قبل نحو 50.000 عام من الآن. وأن مسارات هذه الهجرة تم تحديدها بشكل عام وتحتاج إلى المزيد من التفاصيل التي تعمل على إكمال الصورة.
وإذا ما قدر النجاح لبرنامج الجمعية الوطنية للجغرافيا فإنه سيتوصل إلى استحداث مجموعة من عينات الدم أكبر بمئة مرة من تلك التي اختبرها "مشروع تنوع الجينات البشرية" وقد أشار الدكتور سبينسر ويلز أستاذ الجينات في التعداد السكاني في الجمعية الوطنية للجغرافيا الذي يقود هذا البرنامج إلى أنه بات يأمل في مواجهة الاتهامات التي تصم المشروع بأنه يهدف إلى استغلال الأهالي البسطاء عبر تقديم أموال لهذه القبائل من أجل تنمية التعليم والبنية الثقافية. وإلى ذلك فإن العديد من هؤلاء الأهالي يعتقدون بأن أجدادهم ظلوا يعيشون في أوطانهم الإقليمية بشكل دائم وهو الأمر الذي لا يمكن أن تدعمه التحليلات الجينية لعينات دمائهم. ولكن الدكتور ويلز ذكر أنه سيخطر هؤلاء الأهالي بأن بعض النتائج ربما تأتي متناقضة مع ما يعتقدونه. وهو يقول: "إن الفكرة التي تقوم على أننا جميعاً جئنا في رحلة من أصل مشترك فكرة غير مستساغة عند العديد من الأشخاص".
يذكر أن هذا البرنامج ستبلغ تكلفته 40 مليون دولار على الأقل خلال فترة خمس سنوات كما أشار المتحدث الرسمي باسم الجمعية الوطنية للجغرافيا، على أن تتضمن مصادر التمويل "مؤسسة ويت فاميلي" في سان دييجو بالإضافة إلى الدخل المتوقع استدراره من جمهور العامة الذين سيتم تشجيعهم على إرسال العينات قبل أن يتم إخطارهم بنسبهم الذكوري أو الأنثوي الذي ينتمون إليه مقابل مبلغ مئة دولار. ويشار إلى أن النسب الذكوري الذي يعتمد على كروموزوم واي (Y) والنسب الأنثوي الذي يعتمد على انقسام الخلية الخاصة بالحمض النووي يقتصر في معظم الأحيان على قارات بعينها مما يعكس حقيقة أن الأشخاص حتى وقت قريب ظلوا يعيشون ويتناسلون في المكان الذي ولدوا فيه. وقد ذكرت الدكتورة لوكا كافيلي سفورزا أستاذة جينات السكان في جامعة ستانفورد وأحد أبرز القائمين على مشروع تنوع الجينات البشرية أن الجهود التي تبذلها الجمعية الوطنية للجغرافيا "تمثل إضافة مهمة للمعلومات التي حصلنا عليها". ويذكر أن الدكتورة كافيلي سفورزا إحدى الرائدات في علم جينات السكان وتعمل كمستشارة لهذا البرنامج الجديد.
بيد أن الدكتور "كينيث كيد" الأستاذ أيضاً في علم جينات السكان في جامعة ييل قد أعرب عن بعض التحفظات بشأن الخطة الهادفة إلى الاحتفاظ بعينات الدم كمادة خام من الحمض النووي وذلك لأن الحمض النووي محدود العمر ولا يمكن تبادله لوقت طويل مع جميع العلماء الذين يطلبون بعضاً منه في إجراء تجاربهم. وعلى العكس من ذلك، ففي مشروع تنوع الجينات البشرية فقد جرى العمل بأخذ خلايا الدم البيضاء كعينة باعتباره أمراً أساسياً لضمان بقائها قبل التخزين. وعلى الرغم من أن العمل على بقاء كل عينة يكلف مبلغاً إضافياً يتراوح ما