عندما أجريت الانتخابات الأخيرة في العراق في يناير الماضي أقامت الإدارة الأميركية وحلفاؤها وأصدقاؤها الدنيا ولم يقعدوها. كانت خلاصة رأيهم أنها انتخابات فارقة بين ظلام الاستبداد الذي خيم لعقود طويلة على منطقة بأسرها وبين نور الحرية البازغ الذي أضاءت الانتخابات شعلته. لم يكن الكثيرون يعتقدون في صحة هذا الحكم سواء لتحفظات على عملية الانتخابات ذاتها وظروف الاحتلال التي أجريت في إطارها أو لما أظهرته المشاورات التي أعقبت إعلان نتائجها من أنها ليست انتخابات برلمانية تقليدية بقدر ما هي ترتيبات سياسية تجرى في ظل الاحتلال وإن استرشدت بنتائج الانتخابات في توزيع الغنائم وهو ما أدى إلى تأخر تشكيل الوزارة لما يقترب من ثلاثة أشهر حتى الآن. لم تكن الانتخابات العراقية بحاجة في هذه الظروف إلى مزيد من العوار حتى يُدخل عليها وزير الدفاع الأميركي لمساته الخاصة في الأسبوع الماضي، ففي الثاني عشر من أبريل الجاري حل الرجل على العراق في زيارة مفاجئة. سبقه إلى العراق رفض إدارة الرئيس بوش مبادرة الرئيس العراقي الجديد جلال طالباني الخاصة بمنح العراقيين "المتورطين بالإرهاب" عفواً عاماً حيث صرح الناطق باسم الخارجية الأميركية في هذا الصدد بقوله "بصورة عامة لا نعتبر أنه من المناسب منح العفو لأشخاص قتلوا أميركيين أو جنوداً من التحالف أو جنوداً عراقيين".
في الطائرة التي أقلته إلى بغداد حذر وزير الدفاع الأميركي في تصريحات لمرافقيه من الصحفيين القادة العراقيين من إجراء عملية تطهير في وزارات الداخلية والدفاع والاستخبارات، وكانت الدعوة إلى "تطهير" قوات الأمن خصوصاً في وزارتي الداخلية والاستخبارات قد ترددت في أوساط اللائحة التي فازت بالانتخابات والتي كُلِف مرشحها إبراهيم الجعفري بتشكيل الوزارة، وذلك على أساس الاعتقاد بأن الوزارتين يسيطر عليهما أعضاء سابقون في حزب البعث وظفهم إياد علاوي.
شرح رامسفيلد لمرافقيه من الصحفيين وجهة نظره التي تتمثل في أنه قلق من عملية تطهير كهذه التي يدعو إليها أعضاء في لائحة الأغلبية. برر الرجل قلقه بأن العراقيين "لا يملكون الأنظمة التي نملكها في الأجهزة الحكومية، ولا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إذا أراد إنشاء سلسلة قيادة في أجهزة الأمن العراقية ودحر تمرد لعين... أي شيء يفعلونه في وزارتي الداخلية والدفاع يجب أن يأخذ في الاعتبار أن عراقيين يُقتلون وأن لديهم (أي المسؤولين العراقيين الحاليين) سبباً لما يفعلونه"، وأكد أن قرارات مهمة مثل التعيينات في الوزارات العراقية يجب أن تكون لمصلحة البلد وأن تعتمد على الكفاءة وليس على الولاءات الحزبية أو أن تُمنح كمكافأة.
لم يكتف الوزير بأن فند أسباب التطهير الذي دعا إليه أعضاء في اللائحة ولكنه حذر من عواقبه التي قد تشمل "غياب الثقة في الحكومة أو فسادها"، وألمح إلى اضطرابات قد تحدث بسبب عملية التطهير هذه: "لدينا فرصة لمواصلة التقدم سياسياً واقتصادياً، أي شيء يؤخر ذلك أو يفسده... سيكون مبعثاً للأسف".
ماذا يقول المرء إزاء هذا الكم من المغالطات التي عودتنا عليها السياسة الأميركية؟ بداية يجب أن يكون واضحاً أن المسألة لا علاقة لها بمن على حق ومن على صواب في طرفي اللعبة العراقية مع التأكيد على رفض منطق تصفية الحسابات: أهو علاوي ونهجه أم اللائحة التي تتقدم صوب الإمساك بزمام الوزارة بدلاً منه، وفي رأي كاتب هذه السطور فإن كلا الطرفين قد ارتضى العمل في ظل سلطة الاحتلال وإن بنهج مختلف ومن ثم فهو خارج على قيم الاستقلال الوطني من أساسها، لكن المسألة تتصل بجوهر الديمقراطية التي تزعم الإدارة الأميركية أنها تدافع عنها، وتفخر بأنها حققت بشأنها إنجازاً تاريخياً في العراق يمهد لما بعده. على أي أساس يستغرب رامسفيلد أن يكون للاعبين الجدد في أدوار السلطة المحددة في بغداد رؤيتهم الخاصة لعمل وزارات مهمة مثل الداخلية والدفاع وغيرهما؟ ألا يدين هو أصلاً بوجوده في موقعه لفوز سياسي جمهوري بمقعد الرئاسة في واشنطن؟ ألم يجلب بنفسه مجموعة الصقور من مساعديه في وزارة الدفاع الأميركية؟ وألم يتم الأمر ذاته في كافة الوزارات الأميركية الأخرى عبر الزمن؟ أيكون "قتل العراقيين" على حد قول رامسفيلد سبباً لإرجاء تطهير يراه المخططون له ضرورة لمزيد من الأمن والاستقرار من وجهة نظرهم؟ وماذا لو أن وجهة نظرهم هذه خير من أفكاره التي لم يثبت في أي وقت من الأوقات أنها صائبة بدليل ما يشهده العراق حتى الآن؟ وما علاقة أي تغيرات تجرى في الوزارات المذكورة بإنشاء "تسلسل قيادي فيها؟" وهل يشترط أن يكون هذا التسلسل وفق الرؤية الأميركية فقط؟ ثم يبلغ الرجل مبلغه من الإدراك الخاطئ لما يجري في العراق عندما يتحدث عن "مواصلة التقدم سياسياً واقتصادياً"، وإذا كان الزعم بتقدم سياسي ممكن على أساس تسمية ما يجري في العراق الآن بأنه تقدم سياسي فعن أي تقدم اقتصادي يتحدث وإعادة الإعمار في العراق صفر كبير وأحوال الشعب العراقي يرثى لها والبطالة بلا حدود والشفافية غائبة تمام