حين كانت تركيا تخوض في دماء الأرمن في عام 1915، تعمدت وقتها إدارة وودرو ويلسون، صرف أنظارها عن تلك المجزرة. وكان السفير الأميركي في أسطنبول، قد بعث بعدة برقيات غاضبة إلى بلاده، محرضاً على ما أسماه بـ"القتل العنصري"، غير أن البيت الأبيض، لم يعر تلك البرقيات أدنى اهتمام. فقد كانت أميركا، في أمسِّ الحاجة للنأي بنفسها عن جحيم الحرب العالمية الأولى. ولذا فقد كانت مترددة إزاء تسميم علاقاتها مع تركيا. وبعد عشر سنوات أخرى، انصرف جيل جديد من المسؤولين الأميركيين، إلى ما يلهيه عما يجري داخل سجون القتل والتعذيب النازية. ثم تكرر التجاهل عينه مرة أخرى في عقد السبعينيات، حين لم تحرك واشنطن ساكناً لوقف جرائم القتل الجماعي، الجارية وقتها في كمبوديا. هنا مرة أخرى، كانت واشنطن مهتمة بتحسين علاقاتها مع الصين، الحليف الرئيسي لـ"حركة الخمير الحمر" المسؤولة عن ارتكاب تلك الجرائم. ولذلك فقد كانت حريصة على عدم عرقلة بناء وتحسين علاقاتها مع الصين. وكاد الشيء يتكرر بحذافيره لاحقاً في رواندا والبوسنة أيضاً. وكما لاحظت المؤلفة سامنتا باور في كتابها "مشكلة من الجحيم: أميركا وعصر الإبادة الجماعية"، فكلما وقعت مذبحة من المذابح البربرية الجماعية في ركن ما من أركان العالم، انصرفت عنها أميركا إلى أولوياتها ومشاغلها الأخرى، وآثرت سهولة غض الطرف عنها وتجاهلها.
واليوم فقد أضافت إدارة الرئيس بوش الحالية، صفحة جديدة إلى هذا التاريخ المشين. فقد ارتكب كل من الجيش السوداني ومليشيات "الجنجويد" جرائم مروعة في إقليم دارفور السوداني، خلال العامين الماضيين. شملت تلك الجرائم، قتل النساء والشيوخ والأطفال، والاغتصاب الجماعي للنساء، ثم قتلهن والإلقاء بجثثهن في الآبار وموارد مياه الشرب بقصد تسميمها وتلويثها، إضافة إلى القذف بالأطفال إلى النيران والمحارق. وقبل حوالي أسبوعين لا أكثر، هاجم نحو 350 مقاتل، قرية "خور أبشي" فيما أسمته الأمم المتحدة بـ"الهجوم الوحشي"، الذي خلف وراءه عدداًَ كبيراً من القتلى والمصابين، إلى جانب حرق البيوت وتحويل كل شيء اعترض طريقهم إلى رماد وحطام. ومثلما حدث من قبل، فليس ثمة وقف شافٍ وناجع للمأساة. ومرة أخرى صرفت واشنطن الأنظار، بينما لقي نحو 300 ألف مواطن من مواطني دارفور مصرعهم، إلى جانب 10 آلاف آخرين، يموتون شهرياً نتيجة للظروف الاستثنائية التي خلقها النزاع المسلح في الإقليم.
وبما أنني أميركي الجنسية من أصل أرمني، فقد دعيت لحضور الذكرى التسعين للمذبحة الأرمنية التي جرت في تركيا. ولكن كم سنكون بعيدين كأرمن عن تعلم درس المأساة، فيما لو انشغلنا في هذه المناسبة بتمجيد قتلانا من ضحايا المجزرة، ونسينا أو تناسينا ما يجري الآن في دارفور.
وفي غضون ذلك يبدو الرئيس بوش عاجزاً أمام هذه المجزرة. وعلى رغم أنه قدم مساعدات إنسانية مقدرة للضحايا الناجين، إلا أنه عجز عن مواجهة الحكومة السودانية بحزم، وعن إثارة الأمر بنفسه، قبل أن تفعل ذلك بقية دول العالم الأخرى. ومع أنه اجتمع مؤخراً مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجاك شيراك، وتوني بلير، وبقيادة حلف الناتو جميعها، إلا أنه لم يثر مع أي من هؤلاء مشكلة دارفور! وعلى الرغم من أنه لا يوجد حل مثالي للأزمة، إلا أن هناك خطوات ضرورية من الواجب اتخاذها. والدرس المهم الذي يمكن تعلمه من كافة المذابح السابقة، هو أن حملة الإبادة الجماعية ستستمر في دارفور، طالما آثر المجتمع الدولي، تجاهلها والصمت عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"