عندما يعقد مجمع الكرادلة التابع للكنيسة الكاثوليكية الرومانية اجتماعه اليوم الإثنين لاختيار زعيم روحي جديد لما يزيد على مليار كاثوليكي في العالم، فإنهم سيبدؤون مداولاتهم في ذلك الاجتماع ببحث احتياجات الكنيسة، والمسائل المتعلقة بوضع الكاثوليك في العالم.
إن هذه المجموعة من المداولات ذاتها، هي التي كانت قد جلبت منذ 26 عاما رجل دين بولندياً مغموراً يدعى الكاردينال "كارول فوجتيلا" إلى سدة البابوية في روما.
إنها نفس الاعتبارات ولكن في عالم مختلف. ففي ذلك الحين كان مركز ثقل الكنيسة الكاثوليكية لا يزال في أوروبا. كانت القارة مقسمة آنذاك بين الشرق الواقع تحت الحكم الشيوعي، وبين الغرب الذي شهد ازدهارا كبيرا في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. أما الآن فإن الكنيسة الكاثوليكية أصبحت مهمومة بمسائل التراث المعادي للسامية، وتآكل القيم الروحية بسبب النزعات المادية المتصاعدة.
كانت هناك مشاكل في أماكن أخرى أيضا، وخصوصا في أميركا اللاتينية ذات الأغلبية الكاثوليكية حيث أدى الفقر المدقع وشظف العيش مرة أخرى إلى تفريخ الحركات الثورية ضد الأنظمة القمعية والفاسدة التي تحكم القارة.
في هذا العالم قدم "كارول فوجتيلا" الذي كان اسمه قد أصبح في ذلك الوقت "يوحنا بولس الثاني" نموذجا متميزا لفن القيادة. وباعتباره أول بابا غير إيطالي على مدى 550 عاما فإن يوحنا بولس أخذ موضوع التراث البولندي على مأخذ الجد. ففي أول خطاب علني يلقيه بعد أن تولى مهام منصبه، تحدث البابا مباشرة إلى كاثوليكيي أوروبا الشرقية مكررا عليهم عبارة "لا تخافوا" عدة مرات. وبعد ذلك وفي زيارة تاريخية إلى بولندا عام 1979 تحدث البابا بأسلوب أكثر حماسة حيث خاطب الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع لتحية "ابن جلدتهم": لا تنهزموا.
لم تكن كلمات البابا الجديد فقط هي التي أحدثت الفارق. فالدور الذي لعبته الكنيسة في تنظيم تلك الحشود الهائلة هو الذي ساعد على إطلاق حركة اجتماعية واسعة النطاق أدت في النهاية إلى تخفيف القبضة السوفيتية ومن ثم إلى سقوط الشيوعية.
وفي الواقع أنه بعد زيارة البابا بعام واحد انطلقت حركة التضامن البولندية بتأثير هذه الزيارة وبدعم لوجستي ومالي قدمته لها الكنيسة الكاثوليكية.
واستمر البابا يوحنا بولس يتجول وسط رعيته في البلدان المختلفة ويواجه في الوقت ذاته طائفة من المسائل الكامنة في صلب النظام القائم. فهو في البداية واجه الإرث الأوروبي المعادي للسامية الذي أدى إلى الهولوكوست. وتحدث البابا بصراحة ضد الغزو الأوروبي الاستعماري للشعوب والفقر والديون والتخلف الذي أورثه ذلك لدى تلك الشعوب وخصوصا في دول العالم الثالث. ولم يقف البابا عند ذلك بل واجه التردي الأخلاقي، وتحدى ما أطلق عليه اسم "ثقافة الموت" التي وصفها بأنها تلك المنظومة المتنامية من القيم الملتبسة التي بدأت تسود في الغرب. كما أدان الانتهاكات الاقتصادية التي ارتكبتها الرأسمالية ودافع عن حقوق العمال وعن الحاجة إلى استئصال الفقر من جذوره.
في الشرق الأوسط أيضا قام البابا بمبادرات ذات دلالة. فباعتباره من أوائل المؤيدين للحقوق الفلسطينية أجرى البابا مقابلات متكررة مع ياسر عرفات، على الرغم من المعارضة القوية لذلك من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي نفس الوقت الذي مد البابا يده لليهود، فإنه قام أيضا بمبادرات تاريخية تجاه المسلمين حيث زار أحد المساجد واعترف من داخله بالأخطاء التي ارتكبتها الحملات الصليبية في الشرق المسلم. وفي النهاية، واتساقاً مع معارضته للحرب، كان البابا معارضا قويا للحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، حيث وصفها بأنها "هزيمة للإنسانية" وأنها "غير شرعية وغير أخلاقية وغير عادلة".
ولكن مواقف البابا المعادية للشيوعية ونزعته المحافظة وتقليديته جعلته يتبنى مواقف لقيت انتقادا من قبل البعض. ففي أميركا اللاتينية على سبيل المثال أدى نفور البابا من الشيوعية واعتقاده أن ارتباط الكنيسة مع الحركات الثورية يعتبر أمرا خطيرا إلى قيامه بتوجيه انتقادات إلى القساوسة الشعبيين، وحثهم بدلا من التعامل مع تلك الحركات الثورية على التعامل مع الحكومات التي كان هؤلاء القساوسة يعارضونها.
كما أدت حماية البابا للبنية والممارسات الكنسية التقليدية إلى جعله يعارض بقوة أي دور موسع للمرأة كما دفعته للقيام بتعيين قساوسة ومسؤولين سياسيين ودينيين محافظين في الوظائف الرئيسية في الكنيسة.
واليوم وعلى الرغم من أن الكنيسة الكاثوليكية لازالت تواجه بعض التحديات الأخلاقية والدينية المماثلة فإن تلك الكنيسة أصبحت موجودة في عالم سياسي مختلف جد الاختلاف عن ذلك الذي كان موجودا في سبعينيات القرن الماضي. فالشيوعية قد ولت، كما أن أوروبا لم تعد هي مركز الاهتمام وثلثا الكاثوليك يعيشون في العالم الثالث. وفي حين أن عدد الكاثوليك قد نما قليلا في أوروبا وأميركا الشمالية، فإن هذا العدد تضاعف في آسيا وأميركا اللاتينية، كما تضاعف ثلاث مرات