يخطئ من يظن أن الإجراءات الحكومية قادرة بمفردها على ضبط إيقاع أسعار السلع والخدمات ما لم تكن بقية قوى المجتمع، من جمعيات نفع عام ومستهلكين، تضطلع بدور فاعل في مواجهة أي شطط أو محاولة للاستغلال من جانب التجار. فالأساس في هذه المسألة هو المستهلك باعتباره طرفا مباشرا في العلاقة، ولا بد من أن يتسم دوره بالإيجابية والمبادرة، لاسيما أن المسألة لا تتعلق فقط بالأسعار بل تطال أيضا قضايا أخرى تتعلق بالأسواق مثل الغش التجاري وسلامة الأغذية وغير ذلك من قضايا تتطلب رقابة مجتمعية ـ إعلامية لا تقل فاعلية عن الرقابة الحكومية. وهناك من قضايا السوق ما يمكن إلقاء تبعات مواجهتها على الجهات الحكومية المعنية مثل الاحتكارات وضعف المنافسة والوكالات الحصرية وما يشوب هذه الممارسات من تواطؤ يضر بالمستهلك وبالسوق معا، وبموازاة ذلك هناك قضايا أخرى يمكن لقوى المجتمع أن تضطلع فيها بالدور الأبرز، وفي مقدمة هذه القضايا بالطبع الرقابة على الأسعار.
فالمستهلك ينبغي أن يعتاد التأقلم على مواجهة أي محاولات للإضرار بمصالحه عبر رفع الأسعار من دون مبرر وأن يتعاون مع بقية الأجهزة المعنية في ملاحقة أي محاولات لابتزاز المستهلكين، وإلا فإننا لن نكون منطقيين حين نطالب الجهات الحكومية بالرقابة على الأسعار في جميع المحلات والسوبر ماركت، فهذه المهمة تتطلب فرق تفتيش ربما يقترب عددها من عدد المحلات نفسها، علاوة على أن مهمة الرقابة قد لا تكون مجدية سوى في المحلات الكبرى التي تلتزم بإعلان الأسعار مرفقة بالسلع، في حين تتعذر هذه الرقابة في البقالات ومحلات الخضراوات الصغيرة التي تحتل نسبة لا بأس بها من حركة التجارة، كما تصعب الرقابة أيضا بالنسبة إلى قطاع الخدمات الذي يخضع في أغلب ممارساته إلى المساومات وخبرة العميل أو الزبون وغير ذلك من مؤثرات يصعب أن نطالب البلديات بالسيطرة عليها جميعها. هذا الكلام لا يعفي بالطبع الرسميين من مسؤولياتهم ودورهم، ولكن تأطير هذا الدور ووضعه في نطاقه الصحيح يزيد بالضرورة من فاعليته، في حين أن تركه من دون تحديد وإلقاء مهمة رقابة الأسعار على عاتق "الرسميين" فقط لن يفلح بالنهاية في تحقيق أي إنجاز، وسنعود إلى سماع مبررات مكررة والبحث عن "شماعات" للفشل من مثل عدم وجود عدد كاف من المفتشين وغير ذلك.
قوى المجتمع من مستهلكين وجمعيات النفع العام التي تراجع دورها بوضوح لاعتبارات وأسباب مختلفة، هي اللاعب الأساسي في معادلات السيطرة على الأسواق، ومن دون تعاونها الوثيق تصبح الجهود مثل الحرث في الماء، فحركة المجتمع وتفاعله سواء بتعديل أنماط السلوك الاستهلاكي السائدة، أو بإبلاغ البلديات عن المخالفات السعرية، تعد المدخل الحقيقي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى بين التجار، فالمستهلك بالنهاية هو من يختار ويدفع ويتحمل عبء رفع الأسعار ولا مبالاته ستشجع على ممارسة "هواية" رفع الأسعار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية