اجتمعت لتقرير التنمية الإنسانية العربية الثالث (2004) عدةُ عناصر للذيوع. فقد سبقه تقريران للعامين 2002 و2003، وكان لهما صدىً مدَوٍ؛ بسبب ثوريتهما وقَولهما بالتغيير الجذري، وقيامهما على مقولة المجتمع المدني، التي تترسَّخُ عالمياً، ولا تبدو الدولُ الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدةُ بعيدةً عنها. والأمر الثاني الذي زاد اللهفة والتوقُّعات الإعلانُ المسبق عن أنّ مركز الدائرة في التقرير الثالث إنما هو مسألةُ الحرية، في علائقها بالإنسان العربي، والمجتمعات العربية؛ وأيضاً في علاقاتها بالدولة العربية القائمة أو بالنظام العربي الموجود منذ حوالي الأربعة عقود.
والأمرُ الثالث الذي رفع من وتيرة التوقعات؛ بالإضافة لإشكالية التقريرين السابقَين، ولموضوع التقرير الثالث المُثير: الحملةُ التي شاعت على مسوَّدة التقرير من جانب بعض المسؤولين الأميركيين المعنيين. وتتعلق الحملةُ بثلاث مسائل ما قبلت الولاياتُ المتحدة أو إدارتها بها: القول باحتلال العراق وسوء الأوضاع فيه، ونقد السياسات الأميركية تُجاه فلسطين، وإدانة السياسة الأميركية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، والتدخلات الأميركية العسكرية بحُججٍ واهيةٍ أو زعماً بإرادة نشر الديمقراطية.
وصدر التقرير أخيراً قبل عشرة أيامٍ؛ فبدا أنّ المخاوفَ من عدم صدوره، أو من التعديلات الجذرية فيه، ما كان لها مسوِّغٌ كبير. صحيحٌ أننا لا ندري إن كانت فقراتٌ من التقرير قد حُذفت بسبب احتجاجات الأميركيين والمصريين. أما في المسائل الأخرى فقد اقتصر الأمر في أكثر الأحيان على تجهيل الفاعل (المعروف) أو تخفيف الاستنتاج أو جعله أقلّ حِدَّة.
جاء تقرير الحرية هذا في أربعة أقسام. القسم الأولُ يلخّص مضامين ونتائج التقريرين السابقين. والقسم الثاني يعرض لمسائل الحريات وحقوق الإنسان في الفكر العالمي والعربي. والقسم الثالث يدرُسُ المسائل نفسها في الدساتير والممارسات العربية على مستوى الدولة، ومستوى العمل العربي المشترك (الجامعة العربية). والقسمُ الرابع يعرضُ نتائج استطلاعاتٍ للرأي في خمس دولٍ عربيةٍ حول مفاهيم الحرية وأبعادها وممارساتها، مع ملاحق وثائقية لبعض البيانات الصادرة عن المؤتمرات أو عن هيئات المجتمع المدني أو الدول أو الجامعة العربية.
لا يأتي التقرير الثالثُ هذا بجديدٍ كثيرٍ لجهة المعلومات، أو لجهة الوعي بها، من جانب المهتمين والمتخصصين والمعنيين بالشأن العامّ العربي. لكنّ ذلك لا يعني أنّ ما قرره ليس مهماً. بل على العكس، إذ يبدو لي أنّ التقرير متقدمٌ على سالفيه من حيث تجنب الخطابيات والدعوات للتغيير الجذري، والبُعد عن الثقافوية المُشعرة بأنّ هناك تشوُّهاً أصيلاً في البنية النفسية أو الثقافية العربية. ثم إنه متقدمٌ على التقريرين الآخرين من حيث الاهتمام بالدولة والنظام العربي، في النصوص، وفي الممارسات. فالتقرير لا يغمغمُ بالنسبة للمرجعية في قضايا الحريات والحقوق المدنية. إذ يدرسُ هذه المفاهيم أساساً استناداً لجون ستيوارت ميل(أواسط القرن التاسع عشر) فيشير بذلك إلى المرجعية الحاكمة في هذه المسائل، وأنها مرجعيةٌ حديثةٌ، ولا شأنَ له بدعاوى الحضارة اليهودية/ المسيحية، كما يذكر اليمينيون والمحافظون الجُدُد. ثم إنه من جهةٍ ثانيةٍ لا يُسرفُ في العودة إلى الموروثات العربية والإسلامية باعتبار "تأصيل" مفاهيم الحريات فيها؛ دون أن يتجاهَلَها كلياً في الوقت نفسِه. وكان التقرير الأول قد بالغ في إهمال الموروث الثقافي، وبالغ التقرير الثاني في اعتبار الموروث(التقدمي). والطريف أنّ النهضويين والإصلاحيين العرب في مطلع القرن العشرين فعلوا الشيء نفسه. فقد تحدثوا كثيراً عن المدني والمدنية، كما تحدثوا عن التلاقي بين الشوروي والدستوري. لكنْ عندما سأل قارئٌ لمجلة المنار محرِّرَها رشيد رضا عام 1907 لماذا لا يُسمّي الحكمَ الدستوري حكم الشورى ما داما متماثلين؛ أجابه رضا: لا تقل إنّ الحكم المقيَّد بالدستور هو حكم الشورى، وأننا أفدناه من الخلفاء الراشدين، وليس من الأوروبيين؛ فلولا الاعتبارُ بحال هؤلاء الناس(الغربيين) لما عرفنا أنَّ هذا الحكم من الإسلام! والتقريرُ يُطيل بعضَ الشيء في دراسة مسألة الحرية لدى المفكرين العرب المُحْدَثين والمُعاصرين. لكنه لا يرى وجودَ نظريةٍ إسلاميةٍ للحرية في الفكر الإسلامي المعاصر. وباستثناء نصوصٍ قليلةٍ هناك في الوعي ترجيحٌ لجانب الحرية المتعلق بالتحرر من الاستعمار والاستغلال، دونما اهتمامٍ مُماثلٍ بالحريات تُجاه السلطة الحاكمة والمسيطرة.
ويتحدث التقرير عن "المُواطن في الدولة" فيذكر جوانب للتحسُّن والتقدم في الحريات وممارساتها. لكنه يرى أنّ هذه الجوانب قليلةٌ وغير كافية. فهناك نقصٌ شديدٌ في المسائل المتعلقة بديمقراطية الحكم، الناجمة عن سلطات الشعب أو الأمة، والتي تنصُّ عليها دساتير الدول الوطنية والقومية الحديثة. إذ ليس هناك تداوُلٌ حقيقيٌّ للسلطة، كما أنّ الدساتير تتعرقل بالقوانين الاستثنائية (قوانين الطوارئ)، أ