هنالك بعض الدول العربية تعاقدت مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، حماية لتلك الدول أو لحماية تلك الحكومات. ويعتبر قرار القمة العربية (القاهرة في 9-10/8/1990) نموذجاً لذلك. ولقد اعتبر كثير من الأوساط السياسية التوجهات الأميركية الجديدة في التعامل مع دول الشرق الأوسط، ومنها التهديد الأميركي لسوريا ولبنان وإيران، حسب سياسة التدخل العسكري في دول المنطقة بعد احتلال العراق وبعد فرض الإصلاح، مع العلم أن مؤتمر القمة في تونس (22-23/5/2004) أقر وثيقة "مسيرة التطوير والتحديث والإصلاح في الوطن العربي". وقد أكد مؤتمر القمة في الجزائر (22-23/4/2005) على معاني الوثيقة وذكر بعض الإصلاحات في الدول العربية. مع العلم أن الإدارة الأميركية الحالية خصصت في ميزانية 2004 مبلغ 685 مليون دولار للترويج للقيم الأميركية والتسامح والتعددية.
ولكن المشكلة ليست في الإنفاق على تحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية بين العرب والمسلمين في العالم، إنما المشكلة هي في سلوك سياسات تساعد شعوب تلك الدول على مواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتارة تقدم الإدارة الأميركية نفسها مخلصاً من الحكم الدكتاتوري، وتارة تقدم نفسها راعياً لعملية السلام لحقن الدماء، وتارة تقف موقف الموجه والمعلم في الفكر والثقافة والسياسة بحجة أنها زعيمة العالم. غير أن الصورة التي لا تزال تصل إلى الشعوب العربية والإسلامية لا تبعث في النفس التفاؤل، فهي صورة غير مريحة لمستقبل العلاقات العربية- الأميركية.
وما يزعج تلك الصورة الأميركية، إلى جانب تهديد سوريا ولبنان وإيران، هو الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل والاستخدام غير المبرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإسقاط أي قرار يدين ممارسات واحتلالات إسرائيلية. فما أن اجتاحت القوات الأميركية العراق في مارس 2003 بحجة أسلحة التدمير الشامل العراقية وتعاون النظام السابق مع تنظيم القاعدة، حتى تكشفت للوطن العربي والإسلامي صورة بشعة وكاذبة للإدارة الأميركية الحالية، زادت عليها تلك التهديدات لسوريا ولبنان وإيران وحماية الإدارة الأميركية الحالية لإسرائيل ذات السلاح النووي بذريعة الدفاع عن النفس تجاه شعوب لم تملك قط أسلحة تدمير شامل، كما فعلت إسرائيل في تملكها الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية.
لقد تعاملت القوات الأميركية المحتلة والغازية مع الشعب العراقي دون أي مقاييس حضارية أو إنسانية أو ديمقراطية أو تعاقدية. لقد أظهرت الإدارة الأميركية الحالية الولايات المتحدة دولة دكتاتورية وخارجة على القانون الدولي، ومحتلة وهو ما جعل تبشيرها بالحرية والديمقراطية وتخليص العرب والمسلمين من أنظمة حكم دكتاتوري شعاراً لا أساس له في الواقع، وإنما هي دولة مساعدة للظلم والاحتلال والتخريب والاغتيال والاعتقال. وإن ما جرى في فلسطين المحتلة حيث يناضل الشعب الفلسطيني من أجل حريته وإنهاء الاحتلال والاستعمار وما جرى في الفلوجة وسامراء والرمادي والنجف وبغداد وسجن أبو غريب هو مجرد صور متعددة لما تقوم به قوات الاحتلال والاستعمار الأميركية.
لقد جمع العقل العربي ملامح هذه الصورة: الصورة الإسرائيلية التي تمارس الاحتلال والإرهاب برعاية ودعم أميركي وبسلاح أميركي. وتستفيد الإدارة الأميركية الحالية من خبرات الاحتلال والاستعمار والعمليات الإسرائيلية الصهيونية فتستقدم الخبراء الإسرائيليين لتدريب عناصرها أو للإطلاع على التجارب الإسرائيلية في مجازر جنين ونابلس وجباليا ورفح وخان يونس وبيت لاهية وبيت حانون وغيرها. ولا شك في أن الإدارة الأميركية الحالية تحمل المسؤولية الكاملة عن ملامح هذه الصورة.
في ظل هذه الأجواء من الانحياز والتهديدات والاحتلال، شرعت الإدارة الأميركية الحالية باعتماد وتطبيق مشروعها للشرق الأوسط الواسع تحت عنوان "الإصلاح والديمقراطية"، ولكن الشعوب العربية وحكوماتها رفضت هذا الفرض من جدول الأعمال الأجنبي. فشرعت الإدارة الأميركية الحالية بعقد صفقات مع بعض الحكومات غير الديمقراطية في المنطقة، على أساس الابتزاز، ما جعل العلاقات العربية- الأميركية تعاني اختناقاً كبيراً تمثل في قوى المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأميركي في العراق وضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
فهل تتيقظ بعض أوساط الإدارة الأميركية الحالية لمعاني ودلالات الصورة الحالية للسياسات الأميركية المنحازة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية.