هناك ظاهرة سياسية-اجتماعية بدأت تنتشر على نطاق كبير في بعض الدول العربية تتبناها حركات غير حكومية وأشخاص عاديون وتنظيمات لحقوق الإنسان، أعلنت عن نفسها تحت مسميات عدة مثل: "كفاية"، و"خلاص"، و"خلصونا"، و"كفى"، و"بس"، و"ارحمونا". إنها ظاهرة تستحق التوقف عندها لفهم منطقها وإدراك دوافعها، وفي الوقت نفسه فهم مواقف الأطراف الأخرى المعنية أو المسؤولة عن انتشار هذه الظاهرة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
في البداية دعونا نلقي نظرة سريعة على الأوضاع أو البيئة التي أفرزت هذه الظاهرة الآن بالتحديد، مع تسليمنا الكامل بأن لهذه الظاهرة جذوراً تاريخية وراءها احتقان سياسي يزيد على عقود عدة من الزمن. ويمكن اعتبار "كفاية وأخواتها" إفرازاً طبيعياً لأحداث 11 سبتمبر 2001، الذي أصبح نقطة مفصلية في التاريخ المعاصر، وصار العالم بعده مختلفاً كلية عما كان قبله، وبات يمر الآن بحالة يمكن أن نطلق عليها "وقفة مع الذات" أو "يوم تصفية الحساب". الجميع يحاول من وجهة نظره القيام بعملية "فلاش باك" ليرى ما هي الأخطاء التي ارتكبها وأدت إلى ما حدث، وكيف يستفيد من الوضع ليعوض ما فات، ويحاول الحصول على أكبر قدر من المكاسب.
وهنا نجد أن العالم قد انقسم إلى خمسة تيارات رئيسية متباينة: التيار الأول يضم أميركا تحت زعامة بوش الصغير وزمرته، والتيار الثاني تتزعمه ألمانيا وفرنسا، والتيار الثالث تبنته بعض حكومات الدول العربية والإسلامية من محيطها إلى خليجها، والتيار الرابع يضم الشعوب العربية المغلوبة على أمرها ومنظمات المجتمع المدني التي تبحث عن دور في الحياة السياسية. أما التيار الأخير فيشمل تنظيمات التطرف والإرهاب، والدول التي استغلت الظروف لتصفي حساباتها مع المسلمين مثل روسيا وإسرائيل والهند والفلبين.
بالنسبة للتيار الأول بزعامة الولايات المتحدة وزمرتها، كانت نتيجة وقفته مع الذات هي أن اللوم يقع على المسلمين والعرب فيما حدث. فأميركا، التي تملك قدر العالم وتعتلي منفردة قمته، قد صبرت عليهم كثيراً ليتغيروا ويسمعوا الكلام ويستسلموا، ولكن النتيجة أن الأراضي الأميركية تعرضت لهجوم إرهابي خطير من "شباب العرب المسلمين"، وجرى تدمير أهم رموز الاقتصاد والتجارة في العالم، لذا فقد أصبح من واجب هذا التيار اتخاذ كافة الإجراءات العنيفة والقاهرة لرد الاعتبار وإجبار العرب والمسلمين على التغير، وذلك وفق رؤيته ومصالحه، ومن دون أن ينتظر منهم أن يتغيروا، حتى يتوقفوا عن تفريخ الإرهابيين والمتطرفين، ويذعنوا لأوامر الإمبراطور بوش الصغير. وفضلاً عن ذلك لم تأل الإمبراطورية الأميركية جهداً في إعطائهم القدوة والمثل لأسلوب إقامة الأنظمة الديمقراطية من خلال جهودها القمعية في كل من أفغانستان والعراق، ودعم جهود المعارضين من جميع الدول العربية والإسلامية. ونتيجة للفشل الواضح حتى الآن في هذه الأمثلة، شعرت بعض الأنظمة العربية والإسلامية بعدم جدية الطرح الأميركي للإصلاح السياسي.
أما أصحاب التيار الثاني، وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا، فإن نظرتهم لـ"يوم الحساب" مختلفة، لأنهم ألقوا باللائمة على القوة العظمى الوحيدة، وتصرفاتها السابقة، انطلاقاً من اقتناعهم بأن ما حدث يوم 11 سبتمبر كان نتيجة منطقية للسياسة الخارجية الأميركية الظالمة التي تكيل بمكيالين وتتجاهل مصالح الدول الحليفة والصديقة، لذلك سارعت إلى معارضة الإجراءات الأميركية لمواجهة الإرهاب التي تعتمد على القوة العسكرية فقط، وحاولت على استحياء أن تبرئ الإسلام والمسلمين من تعميم تهمة العنف والتطرف، ولكنها في الوقت نفسه لم تنس أن طريقها إلى صنع مستقبل العالمين الإسلامي والعربي يمر بواشنطن، فأعلنت عن تجاوبها مع المشروع الأميركي للشرق الأوسط "الكبير" بعد تعديله ليصبح "مشروع الشرق الأوسط الموسع"، وذلك في قمة الثماني الكبار. ثم سارعت إلى تأييد الموقف الأميركي من الوجود السوري في لبنان، وفور سقوط الحريري شهيداً أعلنت وقوفها مع المعارضة اللبنانية في "تحرير لبنان" من سوريا والموالين لها.
أما التيار الثالث فتتبناه بعض حكومات الدول العربية والإسلامية من المحيط إلى الخليج؛ التي ألقت باللوم على شعوبها المتمردة على كل شيء، والتي "لا يعجبها العجب" ولا تعرف مصالحها، ولا يصلح معها سوى القهر والكبت والإرغام، فيجب أن يستمر الحجر عليها، لذلك أسرعت هذه الدول بالتودد إلى الامبراطور الصغير، ولجأت إلى "المنتجعات السياسية" التي تتميز بوجود صالونات ومراكز تجميل في جميع المجالات تستطيع من خلالها إضفاء مسحة من "التزين السياسي" والحصول على جرعة من "الترفيه الديمقراطي"، والاهتمام "الصوري" بحقوق الإنسان...وحاولت بشتى الطرق إقناع الإمبراطور الصغير أن شعوبها لا يصلح معها ديمقراطية أو حرية، لسبب بسيط هو أنها لا تفهم معنى ذلك، وأن تخلي الأنظمة العربية عن الحكم سيضر بالنفوذ الأميركي، لذا فإنها ترى أن دعم واشنطن للمعارضة وتبنيها للحركات المناهضة للحكم في الدول العربية يضرّ بالمصال