لا يحتاج اكتشاف موقف الإعلام من التجار جهدا كبيرا في التعرف إليه، فالإعلام يتحدث عن التجار كأنهم مجموعات من "المحتالين" المتربصين بالمستهلكين أو هم مجموعات لا همّ ولا هدف لها سوى استنزاف الجيوب حتى آخر فلس. والحقيقة تقتضي القول بأن التجار شريحة عريضة تضم المنتجين والمستوردين أو الوكلاء التجاريين والموزعين وتجار التجزئة. ومن الطبيعي بل من المؤكد أن من بين هذه الشريحة العريضة من "يدمن" الكسب السريع غير المشروع، لكن ليسوا كلهم كذلك بالضرورة. لا نسعى بالطبع إلى الدفاع عن الممارسات السيئة، ولكننا فقط نحاول مقاربة الأمر من جانب مغاير وتسليط الضوء على زاوية أخرى من الحقيقة. صحيح أن هناك ممارسات تجارية غير سوية تقود الأسعار إلى الارتفاع الدائم، ولكن علاج هذه السلوكيات لا يكون بإغلاق قنوات الحوار وإشهار سيف التشهير في وجه الجميع وتكريس صورة نمطية سيئة للتاجر، في وقت ندعو فيه شبابنا إلى خوض غمار التجارة ومحاولة تفكيك الممارسات الاحتكارية في أسواقنا. وصحيح أن مهمة التاجر هي تعظيم أرباحه والتوسع في حجم أعماله، وهذا لا ضرر فيه ما دام يحدث على أسس سليمة لا تضر بالاقتصاد ولا بالمستهلكين، خصوصا إذا كانت هذه الأعمال تفرز استثمارات تسهم بدورها في إيجاد وظائف للمواطنين تحديدا، ولكن للأمانة هذا لا يحدث في معظمه، ولكن لا ينبغي أن نعفي "الثقافة الاستهلاكية" السائدة وحمى الشراء المتفشية لدى الكثيرين، وكذلك غياب الأطر القانونية التي تنظم السوق وتحول دون الممارسات الاستغلالية والاحتكارات التجارية، من المسؤولية عن الواقع الراهن.
اللافت أن مسؤولية رقابة الأسعار والسيطرة عليها لدينا تائهة بين وزارة الاقتصاد والبلديات والغرف التجارية فلا نعرف أين تنتهي مهمة هذه الجهة وتبدأ مهمة الأخرى أو العكس، ولا نعرف كذلك حدود هذه المسؤوليات، ولا إجراءات جدية تتخذ على الأرض، ولذا فالحديث يدور في المطلق، ولم يحدث مثلا أن أجريت دراسة للتعرف إلى السبب الحقيقي لارتفاع الأسعار، وتعاملنا جميعا مع ارتفاع الأسعار كظاهرة اكتفينا بنقدها من دون معرفة سببها وحصر الداء كي يمكن التعامل معه، والنتيجة أننا لا نعرف هل هي مسؤولية محلات التجزئة أم الشركات المنتجة أم الوكلاء التجاريين أم مسؤولية هؤلاء جميعا؟ وهذه الدراسة تبدو مهمة للتعرف إلى العوامل التي تحكم سوق التجارة الداخلية، وآليات عمل شركات التجارة والتحالفات التجارية الضخمة التي تسيطر على السوق، كما يستحق الأمر تشكيل لجان من الجهات المختصة لدراسة السوق، ووضع "أسعار استرشادية" للسلع والخدمات يلتزم بها جميع التجار والمنتجين، بحيث توقع عقوبات معنوية "تأديبية" من قوى المجتمع المدني والمستهلكين في حالات التجاوز، كما يمكن أيضا تشكيل "لجنة حكماء" من التجار والمنتجين والغرف التجارية لضبط إيقاع السوق ووضع ميثاق شرف لممارسة مهنة التجارة، بحيث يمكن ربط الممارسة في السوق بإجراءات تجديد التراخيص وغير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية