خلال السنوات القليلة الماضية، انتهجت العديد من دول العالم سياسات تحرير الاقتصاد عبر ترتيبات جماعية عالمية وإقليمية. ففي داخل منظمة التجارة العالمية قام ما يزيد على مئة حكومة بضمان تجارة مفتوحة في السلع والخدمات، وعلى الصعيد الإقليمي تقدم منظمات كالاتحاد الأوروبي، ونافتا، والآسيان، أمثلة على التنظيمات الإقليمية الناجحة.
وتثار أسئلة حول ما إذا كانت الترتيبات الأولية تعرقل أم تساهم في اقتصادات دول أكثر نجاحاً؟ والواقع هو أن الإجابة على تلك الأسئلة من الصعوبة بمكان، فلا التجربة البشرية السابقة، ولا نظرية التجارة التقليدية تقدمان لنا ما قد نهتدي ونستعين به للإجابة عليهما. فخلال الثلاثينيات من القرن الماضي، سعت العديد من أقطار العالم إلى الانسحاب من الاقتصاد العالمي، وخلال الخمسينيات والستينيات شجعت بعض الدول النامية خيار الاستيراد عوضاً عن خيار التصدير وسياسات الاستثمار الأجنبي. وفي هذه المرحلة تسعى الترتيبات الإقليمية إلى تسهيل المشاركة الفعالة لأعضائها في الاقتصاد العالمي.
ولو قمنا بتحليل دقيق وأجرينا مقارنات للإنجازات والمخاطر الرئيسية التي يمكن أن تتمخض عنها الترتيبات الإقليمية في أوروبا، وأميركا، وآسيا، وغيرها من المناطق التي بدأت دولها السير في هذا الاتجاه، فمن الممكن أن نتوصل إلى نتائج ربما كان البعض منها مغايراً للآخر. فالترتيبات الإقليمية الناشئة ربما تتمخض عن صيغ حماية تجارية جديدة عبر القواعد الخاصة ببلد المنشأ، والمكوس أو الضرائب الجمركية الموازية. وعلى أية حال فإن بعض الترتيبات الإقليمية قد تفتح أبواباً للتوسع، والجيد منها قد يخلق حوافز للتمدد. إن التعاون التجاري الإقليمي بصورته الحديثة وجد لكي يبقى بين ظهرانينا إلى أجل غير معروف النهاية، لذلك فإن إبقاء وسائل التنسيق والتعاون مفتوحة يجب أن يكون هماً أولياً.
إن الملاحظ هو أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول قد زاد بشكل متسارع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد أسهم هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول في تحسين مستويات المعيشة في معظم الأقطار التي دخلت كأعضاء فاعلة في عملية الاعتماد المتبادل تلك. ويرى العديد من المنظرين لحرية التبادل التجاري بين الدول أن عمليات الاندماج الدولي على الصعد الاقتصادية تحمل في مضامينها المزيد من الفوائد الواعدة للأطراف الداخلية فيها. ولكن يبقى أن الحساسية المتزايدة للاقتصادات الوطنية للدول المختلفة تجاه الأحداث والسياسات التي تجري في الخارج ستستمر في خلق المعضلة تلو الأخرى إذا ما بقيت الإدارة الضعيفة للسياسات الوطنية والتعاون الدولي قائمة دون أن تتم معالجتها وإصلاحها بفعالية.
إن تركيز العالم في هذه المرحلة يجب أن ينصب على التداخل الحاصل بين حقيقتين أساسيتين من خصائص العالم بعد مرور أربع سنوات منذ بداية الألفية الثالثة: الأولى، هي أن العالم سيستمر على مدى المستقبل المنظور وهو منظم سياسياً على أساس وجود دول وطنية قائمة تحكمها حكومات مستقلة ذات سيادة. والثانية، هي أن الاندماج الاقتصادي المتزايد بين الأمم سيستمر في تقليص الاختلافات بين الاقتصادات الوطنية المختلفة وفي التقليل من أهمية استقلال الحكومات.
خلاصة القول هي أن العديد من دول العالم النامي انضمت طوعاً أو قسراً إلى الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً للعمل سوياً على تحرير التجارة واتخاذ خطوات بشأن تعميق عمليات الدمج العالمي، ولكن تبقى تساؤلات مهمة تطرح نفسها أهمها: هل الإصلاحات التي تتخذها أقطار العالم النامي قوية ومقبولة جماهيرياً إلى درجة عدم تأثيرها سلباً على السياسة الداخلية لكل دولة منها؟ أم أنه سينتج عنها رفض شعبي سيؤدي إلى دمار سياسي؟ وفوق كل هذا وذاك، هل يجب أن تنبع تلك الإصلاحات من الداخل أم من المقبول لها أن تأتي من الخارج؟.