مرة جديدة تنكشف لعبة السلطة في لبنان المستقوية بسوريا حتى الآن والتي تريد تعطيل الانتخابات النيابية التي يجب أن تجري قبل نهاية الشهر المقبل. ففي المرة الأولى حاول أركان السلطة وداعموها المجتمعون في ما يسمى لقاء "عين التينة" اتهام المعارضة بأنها لا تريد الدخول إلى حكومة اتحاد وطني لم يناقش الرئيس المكلف عمر كرامي أحداً فيها بل اكتفوا بإطلاقها شعاراً. أضاعوا شهراً من الوقت وأكثر ولم يشكلوا حكومة. ثم اضطروا إلى الاجتماع والإعلان عن اتفاقهم على تشكيل حكومة من "موثوقين" – وبدون المعارضة – واسترداد مشروع قانون الانتخابات من المجلس النيابي وإعداد مشروع قانون جديد يقوم على اعتماد المحافظة (أي دائرة موسعة) دائرة انتخابية. فوراً أبدينا تأييدنا. وأعلنا تسهيل تشكيل الحكومة كما أبدينا موافقة على فكرة المحافظة. وبالتالي قطعنا الطريق على أية ذريعة يمكن أن تفتعلها السلطة لأننا نعطي الانتخابات الأولوية والتي من أجل إنجازها لا بد من القيام بكل الخطوات المطلوبة.
ثبت للبنانيين جميعاً:
-أن ذهنية أركان السلطة لم تتغير إلا في اتجاه الأسوأ. فهم تقاتلوا فيما بينهم على الحصص والحقائب الوزارية. وأصر معظمهم لا سيما "الرموز" على الحصول على حقائب خدماتية، وفيها مال قبل الانتخابات، وتصرفوا وكأن المالية العامة بخير، وكأن البلاد غارقة بخيرات، فيما النزف اللبناني مستمر منذ خطيئة التمديد لرئيس الجمهورية، وخصوصاً بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وحصلت الاصطدامات بين بعضهم، وحاولوا الضغط على عدد من أعضاء لقاء "عين التينة" للدخول إلى الوزارة فرفضوا. فهل يستطيعون اتهام المعارضة اليوم... وهم لا يستطيعون تشكيل حكومة اتحاد فيما بينهم، ولا يستطيعون إقناع بعضهم بعضا بالمشاركة في الحكومة... وكيف والحالة كذلك تكون المعارضة هي المسؤولة؟.
- إن نية أركان السلطة الفعلية هي التهرب من مواجهة الحقيقة. حقيقة مسؤوليتهم عن كل ما يجري في البلاد. لا يريدون الانتخابات لأنهم يخافون نتائجها سلفاً ويريدون المماطلة وكسب الوقت علَّ الظروف تتغير. وهم غير قادرين على استيعاب نتائج اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتداعياته الداخلية. فالاحتقان الشعبي مستمر والغضب على السلطة ومسؤوليها ورموزها إلى تصاعد، وهم إلى مزيد من السقوط والتساقط، ولذلك يتخبطون، ويتصرفون وكأن شيئاً لم يحدث في البلاد بل يحاولون اللجوء إلى معالجات كلاسيكية فضلاً عن اتهامات متبادلة بين بعضهم بعضاًَ.
- إن أزمة الثقة بين أركان السلطة كبيرة جداً. هم يتهمون بعضهم بعضاً. رئيس الجمهورية يتهم لقاء "عين التينة" بأنه صعـّد المواقف وقرر استعادة قانون الانتخاب دون التشاور معه. وهم و أركان "عين التينة" يردون عليه أنه ذهب إلى البطريرك واتفق معه على التمسك بمشروع القضاء وتشكيل حكومة عقلاء، من وراء ظهر حلفائه، وتركهم لأنه يريد إنقاذ نفسه!.
- أركان السلطة يتسابقون على كسب ودّ قادة المعارضة بالمفرق. فيزحفون إلى العماد عون في باريس. يقدمون الوعود. يقترحون مشاريع اتفاقات انتخابية، يشيدون به بعد أن كانوا يعتبرونه الأخطر على السلطة وسوريا، ويتهمون بعض أركان المعارضـــة بالانفتاح عليه!... وهم يطلقون شائعات ويسربون أخباراً كاذبة عن هذا أو ذاك من قادة المعارضة بهدف الإيقاع بينهم، فيما خلافاتهم وصراعاتهم المعلنة أطاحت بتشكيل الحكومة وفضحت كل أركان السلطة.
- إن فخاً نصب لرئيس الحكومة المكلـّف. فبعد أن أغدقوا عليه الوعود وأطلقوا يده في تشكيل الحكومة بدأوا يطوقونه بسلسلة من المطالب والشروط. وراح يتساءل لماذا يجري ما يجري؟ ومن يقف وراء هذه اللعبة؟ وهل هي عملية بريئة وقصر نظر فقط... أم أن ثمة غايات وراء ذلك؟ في الواقع لا تزال الخطة هي هي. تعطيل تشكيل الحكومة حتى زمن معين، لتعطيل إجراء الانتخابات. مما يعني التمديد للمجلس النيابي الحالي. الأمر الذي سيؤدي إلى التشكيك بشرعيته. أمام هذه اللعبة المفضوحة ثمة من يحذَر من فخ معدّ لدفع السلطة وسوريا إلى الوقوع فيه، بعد فخ التمديد الذي أنتج القرار 1559، وفخ اغتيال الرئيس الحريري الذي أنتج القرار 1595 المتعلق بلجنة التحقيق الدولية.
ما يحدث اليوم فيه خطر إضافي على لبنان وسوريا معاً ويجب تداركه والعمل على إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن ولا يجوز بعد كل الذي جرى، أن يتم تعريض لبنان وسوريا لمثل هذا الخطر الكبير وهذه العزلة الدولية... من أجل هذا أو ذاك الذين اعتبروا لسنوات ثوابت في الحكومات والمجالس النيابية لأنهم من الحلفاء لسوريا!
إن سوريا اليوم بحاجة إلى كل لبنان الحليف. ولابد من تقييم التجربة السابقة بكل جرأة وشجاعة. فماذا ينفع سوريا أن تغطي وتحمي شخصاً أو مجموعة لا تمثل شيئاً فعلياً في الحياة السياسية اللبنانية، ولا حجم أو وزن لها وتمنح هؤلاء كل الامتيازات... يتصرفون باسمها وبرصيدها وبمصيرها وتصل إلى ما وصلت إليه؟.
لقد آن الأوان لإعادة نظر جذرية في هذه العملية وعامل الوقت ليس