إن أهم نقطة يجب الوقوف عندها في موضوع التبشير الذي تحدثنا عنه في الأسبوع الماضي، والذي أصبح يمارس ضد مجتمعاتنا الإسلامية بوسائل وطرق متعددة غاية في الاتقان، هي الارتباط القوي بينه وبين سياسة الاستعمار، وأعني بذلك أن هناك تعاونا مشتركا بين الفكر الديني التنصيري والفكر السياسي الاستعماري لتحقيق هدف واحد مشترك. وهنا مكمن الخطر، حيث إن غالبية أدبيات الاستعمار تؤكد وبقوة على هذه الحقيقة وعلى هذا النوع من التمازج في الأهداف المشتركة بين الاثنين، والأهم هو احتفاظ كل منهما بمكونات هذا التمازج منذ الحروب الصليبية. ومما يؤكد حالة أن التنصير عمل سياسي هو أن المنصرين قد يكتفون بأن يكون الشخص تابعاً لهم حتى لو لم يتقيد بتعاليم الدين، والأمر الآخر هو أن حماية المبشرين دائماً ما تحمل في داخلها طابعاً سياسياً من خلال الدعم والحماية التي تتوفر لهم من القادة والسياسيين والأغنياء في الغرب الذين قد لا يكونون على دينهم. والمعروف في تاريخ التبشير أن المبشرين كانوا يسبقون الجيوش في دخول البلاد المراد استعمارها وذلك تمهيداً لسياسة الاستعمار عن طريق جمع المعلومات والتغلغل في نسيج المجتمع وتوظيف الكثير من الوسائط الفكرية والتعليمية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية لخدمة أهدافهم، ثم يأتي الجيش بعد ذلك ليكرس حالة الاستعمار على أرض الواقع. وهذا ما حدث في غالبية البلاد التي وقعت تحت نفوذ الاستعمار. وهذا أيضاً ما يعترف به المبشر هنري جيست قائلاً: إن المبشرين استغلوا جهودهم دائماً لخدمة أهداف دولهم، والملاحظ على ظاهرة التبشير أنها ومنذ القرن التاسع عشر أصبحت الجيوش هي التي تتقدم المبشرين وتمهد الطريق، ثم يأتي المبشرون بعد ذلك. والسبب أن المبشرين أدركوا أن هذا الأمر يجعل مهمتهم تصبح أسهل وقدرتهم على الحركة أقوى لخدمة أهداف الاستعمار، لذلك كان المبشرون يفضلون أن تتدخل الدولة بقوتها أولاً ثم يأتون فيجدون الطريق ممهداً للتنصير. إن هذا الأمر بصوره الواسعة نجده اليوم واضحاً تماماً في تحركات المنظمات والإرساليات التبشيرية في مناطق واسعة من البلاد الإسلامية، خاصة بعد أن أصبحت الهيمنة الأميركية والجيوش الأميركية تنتشر على بقعة واسعة من العالم حيث استغل المبشرون هذا التواجد العسكري وهذه الهيمنة للتحرك والاندفاع بقوة لتحقيق أهدافهم المشتركة في مجتمعاتنا الإسلامية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على أفغانستان والعراق، وبعد إيقاف حركة الكثير من الجمعيات الخيرية الإسلامية والجمعيات الدعوية الإصلاحية التي كانت مصدر قلق للإرساليات والمنظمات التبشيرية. وهذه الصورة ليست بعيدة عما قاله المبشر زويمر: إن على الإرساليات التبشيرية أن تستعجل التحرك عندما تحدث ثغرة أو ضعف أو انقسام في العالم الإسلامي، لأن هذا الضعف وهذا الانقسام يفتح أبواباً كثيرة للإرساليات التبشيرية لتحقق من خلالها أهدافها بسهولة في قلب العالم الإسلامي. وهو تأكيد لما قاله القس سيمون: إن الوحدة الإسلامية مصدر قلق عند الغرب لأنها تساعد المسلمين على الخروج من السيطرة الغربية، والتنصير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة التي قد توجه المسلمين نحو الوحدة الإسلامية.
إن خطورة اللعبة التبشيرية الاستعمارية التي تتحرك الآن في كل مكان أنها تحاول أن تندس بيننا بصورة مستترة تحت أهداف مسمومة، تندس في كل مجال وفي كل موقع وزاوية من العالم العربي والإسلامي، خاصة بعد أن أصبح الإسلام في نظر الغرب مصدر خطر وبعد أن أصبح صعود الإسلام القوي في العالم مصدر خوف وقلق عند أصحاب اللعبة التبشيرية.
إن هذه الحالة الهستيرية أفرزت عند الغرب استراتيجية عسكرية وسياسية ودينية حادة نراها اليوم تتحرك بقوة نحو دولنا العربية والإسلامية كالثور الهائج. وهذا واضح الآن في أفغانستان والعراق وفلسطين، وهناك اتجاه للانقضاض على العالم الإسلامي بأكمله لتجعله عالماً بلا قوة ولا هوية ولا صوت ولا رائحة ولا قرآن ولا مسجد.
لذلك نحن في حاجة ماسة إلى يقظة عقلية ودينية وفكرية وسياسية وثقافية وإعلامية وتعليمية واقتصادية قوية تملك في داخلها كل مكونات القدرة على مواجهة مثل هذه الأخطار القادمة، في حاجة إلى استراتيجية جديدة وثقافة جديدة تعرف كيف تتعامل مع أسرار اللعبة التبشيرية بوسائل غاية في الإتقان.