في داخل الدولة الإسرائيلية، تعيش مجموعتان بشريتان هما اليهود والفلسطينيون، وهناك داخل الوسط اليهودي الإسرائيلي، خمسة انشطارات مركزية: الانشطار القومي، والانشطار الطائفي، والانشطار العلماني- الديني، والانشطار الطبقي، والانشطار الأيديولوجي-السياسي · وإذا كان العرب يعانون من تمييز في دولة تعرف نفسها بأنها دولة الشعب اليهودي، داخل وخارج حدودها على السواء، فان التنافر داخل المجتمع الإسرائيلي، والذي هو مجتمع مؤلف من مهاجرين قدموا من جهات مختلفة، هو تنافر غير قابل للاختزال في مسألة العداء بين العرب واليهود· وما أحداث وادي الصليب عام ،1959 وظهور حركة الفهود السود ، ولاحقا حركة شاس الدينية في نهاية الثمانينيات، وقبلها حركة تامي في بداية العقد ذاته··· إلا ظواهر تبين عمق الصراع العرقي والثقافي داخل المجتمع الإسرائيلي· وهناك ثلاث قبائل يهودية في إسرائيل؛ أولها اليهود الاشكناز الذين هاجروا إلى إسرائيل من أميركا وأوروبا وجنوب إفريقيا، قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعدها· ثم يهود الاتحاد السوفييتي الذين جاء معظمهم خلال عقد التسعينيات، وأخيرا اليهود الشرقيون، أو السفارديم ، القادمون من بلاد آسيا وأفريقيا وأقطار العالم العربي· هؤلاء هم الذين يتناولهم كتاب اليهود الشرقيون في اسرائيل ، وذلك من خلال خمس دراسات أعدها كتاب مختصون في الدراسات الإسرائيلية واليهودية·
وفي إحدى هذه الدراسات التي ضمها الكتاب، تحت عنوان اليهودية الشرقية بين الطائفية والأسرلة ، يتحدث كاتبها عالم الاجتماع الإسرائيلي أودي أديب، عن فشل الدولة القومية الإسرائيلية، ويعزوه إلى عدم رغبتها في دمج جاليات المهاجرين الشرقية التي وصلت بعد قيام الدولة · ويقول إن الثقافة العبرية الجديدة التي فرضت كأداة لتوحيد المجتمع الاسرائيلي، عززت استعلاء وسيطرة المجموعة الأوروبية ذات الأقدمية · ويوضح المؤلف أن المكانة المتدنية لليهود الشرقيين هي نتيجة حتمية للمشروع الكولونيالي-الاستيطاني الإسرائيلي ، وهو هنا يتبنى توجها جغرافيا اجتماعيا يرى أن المهاجرين الشرقيين نقلوا إلى المناطق الحدودية استمرارا للعملية الكولونيالية الاستيطانية نفسها التي تم خلالها طرد المواطنين الفلسطينيين المحليين وسلبهم·
وفي دراسة أخرى حول تركيبة وتوزيع اليهود الشرقيين في إسرائيل، يحاول كاتبها راسم خمايسي استقصاء واقع اليهود الشرقيين من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وعلاقته بمناطق التوطين· ويقول إن اليهود الاشكناز المسيطرين على الموارد ومراكز القرار، هم الطلائعيون الذين استقبلوا المهاجرين الجدد وقاموا بتوزيعهم وتوطينهم· لذلك فإن اليهود السفارديم يتركزون اليوم في مدن وقرى الأطراف، وبخاصة في النقب· ويذكر كاتب الدراسة أن السفارديم يشكلون حوالى 34,2 في المئة من مجمل اليهود في إسرائيل، ويمثل اليهود العراقيون واليمنيون والأتراك نسبة 74,8 في المئة من إجمالي اليهود من أصل آسيوي· أما اليهود من أصل مغربي فتبلغ نسبتهم 59,7 في المئة من اليهود من أصل أفريقي· وكانت أول هجرات اليهود الشرقيين إلى إسرائيل من اليمن، وذلك قبيل قيام دولة إسرائيل عام ،1948 ومنذئذ تغذت الدولة العبرية الجديدة بموارد بشرية من اليهود السفارديم ، ساهمت كثيرا في تعزيز وجودها· ويوضح الكاتب عدة تحولات اجتماعية في حياة السفارديم ، بما في ذلك التغيرات الديمغرافية، وتقلص حجم الأسرة، وانزياحات في هرم الأجيال، وتنامي معدلات التعليم· ويعرض لأٍسباب نشوء الفوارق بين السفارديم والاشكناز، خاصة في ثلاثة مجالات هي الإسكان والثروة والتعليم·
أما محمد أمارة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار-ايلان ، فيثبت في دراسته، حول السلوك السياسي لليهود الشرقيين في إسرائيل ، إخفاق بوتقة الصهر التي تحدثت عنها الحركة الصهيونية، وذلك بدليل أن مجموعة مركزية كبرى في المجتمع الإسرائيلي، مثل السفارديم بدأت تؤكد مظاهر ثقافتها الخاصة، بعيدا عن مؤسسات الاندماج الصهيونية القومية· وهنا يتحدث كاتب الدراسة عن عام 1996 باعتباره بداية مرحلة جديدة في التطور السياسي لإسرائيل، عندما تراجعت الأحزاب الكبرى، بينما حصل حزب شاس على 10 مقاعد في الانتخابات البرلمانية لذلك العام، ثم ارتفع عددها مرة أخرى إلى 17 مقعدا في انتخابات سنة ·1999 وفي الوقت نفسه بدأ اليهود الشرقيون يحتلون وظائف ذات أهمية، وينتخبون كرؤساء للسلطات المحلية، ويؤثرون في الأحزاب المختلفة عن طريق أصواتهم الانتخابية· فبعد أن كانت غالبيتهم من مؤيدي حزب ماباي ، بدأوا مع بداية السبعينيات يصوتون لحزب الليكود ، لكن قسما كبيرا منهم انتقل بداية من منتصف الثمانينيات الى حزب شاس الطائفي الديني الذي حصل على دعمهم في انتخابات عام ·1999 ويسجل الكاتب هنا ملاحظتين أساسيتين حول السلوك السياسي لـ السفارديم : أولاهما أن مشاركتهم في حزب شاس قللت إلى حد كبير من نشاطهم الاحتجاجي ضد السلطة، وثانيتهما أنهم يعدون الأكثر تشددا ضد العرب والفلسطينيين·
وحول علاقة اليهود الشر