أحسب أن اجتماعات وزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة في القاهرة، والنتائج التي خرجت بها، هي خير تعبير عن الحالة العربية بعد عامين على أحداث الحادي عشر من سبتمبر ·2001 فقد جرى الاعتراف بالأوضاع الجديدة في العراق تحت الاحتلال، وإن يكن الاعتراف مؤقتاً· ثم إن المجتمعين ما صرفوا وقتاً للتشاور حول ما يجري في فلسطين، على رغم خطورة الجاري هناك· وهكذا فإن السطوة الأميركية تسود المنطقة اليوم· وإذا قيل إن أميركا قطب أوحد في سائر أنحاء العالم وليس لدى العرب فقط، فيمكن الإجابة: لكن العرب ينفردون بأن ثلث القوات الأميركية المقاتلة موجود بين ظهرانيهم· كما أن الدول التي لا عسكر أميركياً فيها، تقدم تسهيلات، وتتودد إلى الولايات المتحدة بأشكال مختلفة· فحتى التسوية التي خضعت لها ليبيا في قضية لوكربي، ما كان يمكن تصورها لولا أحداث 11 سبتمبر، والحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب·
أبرز نتائج وآثار 11 سبتمبر احتلال أفغانستان والعراق· وإذا كان ذلك واضحاً فيما يتعلق بأفغانستان، باعتبارها كانت المقر الرئيسي لابن لادن و القاعدة ، فالأمر واضح أو ينبغي أن يكون كذلك بالنسبة للعراق· ويجادل أناس في أن العراق كان هدفاً بارزاً لإدارة بوش الابن منذ البداية· فحتى بعد الهجمات مباشرة يذكر بوب وودوورد في كتابه: بوش في الحرب أن وولفوفيتز كان من أنصار الهجوم على العراق أولاً، أو بالتوازي مع أفغانستان· لكن على رغم الإشارات الكثيفة هذه، فإن هجمات 11 سبتمبر مكّنت المحافظين الجدد من تنفيذ خططهم في العراق وغير العراق· والواقع أن ذلك التمكين ما كان في مواجهة الاعتراض الخارجي (أوروبا وروسيا والصين) فقط، بل في مواجهة الاعتراضات والتحفظات في الداخل الأميركي أيضاً· فقد انطلقت الاستعدادات لغزو العراق من الحديث عن أسلحة الدمار الشامل وخطرها على جيران العراق وعلى الأمن العالمي· ومع أن فرق التفتيش لم تجد شيئاً، فقد أضاف الأميركيون قصة استيراد العراق لليورانيوم من النيجر، وأضاف البريطانيون والأميركيون قصة قدرة العراق على تهيئة أسلحة الدمار الشامل للاستعمال خلال 45 دقيقة· وعندما رأوا أن ذلك غير كافٍ لمواجهة التظاهرات الميلونية، أضافوا خوفهم من إيصال العراق للأسلحة أو للخبرة للإرهابيين· وتجرأوا أخيراً على الزعم بأن التعاون بين صدام و القاعدة قائم فعلاً، والدلائل ثابتة على ذلك· ولا شك أن نصف تلك الحجج على الأقل ما كان اختراعها ممكناً لولا أحداث 11 سبتمبر·
هكذا، فإن الآثار المباشرة لأحداث 11 سبتمبر تمثلت في احتلال بلدين إسلاميين، وتغيير نظاميهما بالقوة، والتمركز العسكري الأميركي في عدة دول بالمشرق العربي· بيد أن الآثار غير المباشرة للسياسات الأميركية الجديدة قد تكون الأعمق والأبقى· فعلى رغم التضحيات الجسام التي قدمها الفلسطينيون ويقدمونها، يبدو التفوق الإسرائيلي ساحقاً الآن،بسبب الدعم المطلق من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل بعد الحادي عشر من سبتمبر بالذات· فقد صارت المقاومة الإسلامية الفلسطينية إرهاباً كلها· ويوشك هذا الاختلال الهائل في موازين القوى، أن يؤثر في مستقبل الحل في فلسطين، ما دام الجانب الإسرائيلي يملك كل الأوراق، وما دام الجانب العربي ضعيفاً، وتستلب الولايات المتحدة قراره أيضاً·
بيد أن هناك ما يتجاوز مسألتي العراق وفلسطين - والمقصود تلك الضغوط الساحقة على الأنظمة العربية من أجل الإصلاح والتغيير: الإصلاح التربوي والتعليمي والتغيير السياسي· بدأت الضغوط أولاً من أجل استتمام القبض على القاعدة وأنصارها في بلداننا· وبذلك اشتغلت سائر الدول في جمع المعلومات والأشخاص وتقديمهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم· وقد شكت الولايات المتحدة وتشكو من درجة تعاون هذه الدولة أو تلك، وخاصة السعودية وإيران· فالسعودية المطلوب منها التحقيق مع كثيرين جداً، في حين تتضارب المعلومات بين الطرفين حول الأشخاص وجوداً واتهاماً· وعندما تعرضت الرياض لتفجيرات، بدا كأنما يصب ذلك لصالح الولايات المتحدة التي ترى عدم التساهل، وتجاوز البرهان والدليل إلى الاشتباه·فالحرب الاستباقية لا تقتصر على العراق، بل تتناول الإرهابيين أيضاً، والذين لا يصحُّ الانتظار حتى يعودوا إلى الهجوم· وما تزال العلاقة الأمنية بين السعودية والولايات المتحدة مضطربة تتراوح بين الامتداح للجهود الكبيرة، والاتهام بالقصور والتقصير وحتى التآمر·
على أن الأهم من المطالب الأمنية والتي أصغى إليها العرب، وتعاونوا تماماً بشأنها (انظر مثلاً سماح اليمن للعسكريين الأميركيين بملاحقة مواطنين يمنيين وقتلهم بالطائرات داخل اليمن نفسها) المطالب الأيديولوجية والسياسية· فالعرب، بحسب رؤية المحافظين الجدد، والإنجيليين الجدد، في إدارة الرئيس بوش ينتشر بينهم التطرف الديني على مستوى المجتمع، والديكتاتورية على مستوى الأنظمة الحاكمة· والمطلوب التغيير السياسي والثقافي لاجتثاث منابع التطرف والإرهاب، مثلما هو مطلوب التصرف الأمني لاجتثاث المجرمين، واجتثاث مصادر تمويل