لبنان هذا البلد العربي الصغير يتعرض الآن لمحنة حقيقية تستوجب أن نلتف جميعاً حوله وننصهر في طوق حماية لمعان كثيرة يمثلها لبنان للعرب. فلبنان أولاً هو رمز للتسامح يضم أطيافاً من البشر تختلف عقائدهم وعاداتهم لكنهم يطلون عليك في عاصمته الجميلة بيروت على سبيل المثال بكل ما يمثلونه من تنوع. وقد قيل كثيراً إن نظاماً سياسياً مبني على الطائفية هو تعبير عن تخلف سياسي لا يليق وإن دولة هذا نظامها هي أبعد ما تكون عن الدولة الحديثة. لكن لبنان انفرد بين دول عربية تشبهه في هذا الوضع - وإن اختلفت عنه في الدرجة- بأنه اعترف بطوائفه وأعطى كلا منها نصيباً من المسؤولية على العكس من الآخرين، وقدم بهذا نموذجاً في الديمقراطية ربما يكون مشوهاً أو ناقصاً، لكنه بدا جوهرة براقة في ظلام الاستبداد السياسي الدامس الذي أحاط بمعظم أرجاء الوطن العربي في كثير من الأحيان. ولهذا السبب أيضاً نجا لبنان من تلك السمة السائدة في معظم النظم العربية. فلم يكن فيه أبداً "قائد ملهم" لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه. فالسلطة الفعلية موزعة بين رئيس للجمهورية يُنتخب لمدة واحدة من مجلس النواب وبصلاحيات محددة، ورئيس للوزراء لابد وأن يحصل على موافقة غالبية أعضاء هذا المجلس، ورئيس المجلس التشريعي نفسه. وأياً كان انتقادنا لهذا الوضع فلن ينكر سوى مكابر أنه أفضل بكثير من الاستبداد السياسي القائم على جمع كافة الخيوط في يد رجل واحد. ولهذا توجس من يحبون لبنان خيفة عندما تم التمديد لرئيس الجمهورية الحالي دون أن يعني هذا أنهم لا يكنون كل الاحترام لشخصه وإنجازاته. ولكن الخشية كانت مبررة من أن يقترب لبنان من نفق إعلاء الفرد على المؤسسة والقواعد المرعية على نحو ما هو مألوف في السياسة العربية.
لبنان كان لهذا السبب أيضاً نافذة لحرية الفكر، فكانت بيروت ساحة لكل الأفكار تتنافس فيها بل تتصارع أحياناً، وربما عبثت بهذه الساحة أيادٍ مأجورة من قوى خارجية، لكنها بدت في كل الأحوال أجمل كثيراً من الساحات المختنقة بعبير واحد. واضطرت النظم العربية الحاكمة في زمن الحرب الباردة العربية إلى أن تكون لها منابر في بيروت، أو كانت على أقل الفروض تتحسب لكل كلمة تُقال فيها، لأن تأثير بيروت الفكري ومن ثمّ السياسي بدا أقوى من أن يتم تجاهله. وواصلت بيروت دورها الفكري وإن خبا إبان الحرب الأهلية ليستعيد عافيته بمجرد انتهائها.
وربما لهذه الأسباب – ضمن أسباب أخرى بطبيعة الحال- كان مطلوباً أن يُضرب النموذج اللبناني.
وأن يغرق لبنان اعتباراً من منتصف سبعينيات القرن الماضي في مستنقع حرب أهلية دامت قرابة خمسة عشر عاماً بدا فيها معظم الأطراف الإقليمية والعالمية يصفي حساباته على الأرض اللبنانية. ولأن الحرب الأهلية اللبنانية لم تكن تعبيراً في الأساس عن رغبة مجتمعية لبنانية في الصراع بقدر ما كانت انعكاساً لمصالح إقليمية وعالمية متصادمة فإن المتغيرات العالمية والإقليمية في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت عاملاً أساسياً في إطفاء نار تلك الحرب.
غير أنه كان من اللافت أن لبنان في قمة ضعفه وفي بداية نهوضه من عثرته استطاع في سابقة فريدة من نوعها في الصراع العربي- الإسرائيلي أن يدحر العدوان الإسرائيلي مرتين في أقل من عشرين عاماً: مرة حين اضطرت إسرائيل للخروج من لبنان لعجزها عن أن تفرض سيطرتها على هذا البلد الصغير بعد أن تمكنت من غزوه في عام1982. ومرة ثانية حين أجبرت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله القوات الإسرائيلية على الهروب بليل في مايو 2000 من الشريط الحدودي الجنوبي المحتل منذ 1978 بعد أن أصبح يستهلك من أمن إسرائيل أكثر مما يضيف إليه. لهذا كله كان من الضروري أن يكون لبنان هدفاً لمؤامرات خارجية، وشاء سوء حظه – كسوء حظنا جميعاً- أن تغمر المنطقة محاولات السيطرة وإعادة الهيكلة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاستراتيجية لصالح قوى الهيمنة العالمية، وشاءت الظروف أيضاً أن تكون سوريا هدفاً للمحاولات ذاتها، وبالتالي انصب جوهر الهجوم على ضرورة إخراج القوات السورية من لبنان، وهو هدف بدا سهلاً نسبياً باستغلال الأخطاء السورية في لبنان. غير أن الاتجاه الأخطر للهجوم ركز على حزب الله، رمز المقاومة في لبنان.
بدأت خيوط المؤامرة تتصاعد بعد الغزو الأميركي للعراق، وازداد تشابكها بعد اتضاح الورطة الأميركية هناك والإصرار الأميركي على إعادة هيكلة الوطن العربي سياسياً بعد أن نجحت إلى حد بعيد في إعادة هيكلته اقتصادياً وأمنياً. وترجم القرار 1559 جانباً كبيراً من أبعاد هذه المؤامرة. لم تكن مشكلة هذا القرار هي خروج القوات السورية من لبنان، فهو عمل يتوقف أولاً وأخيراً على إرادة اللبنانيين. لكن مشكلة القرار الحقيقية هي فيما يسمى بنزع سلاح الميليشيات في إشارة مفهومة إلى حزب الله، ولذلك فإن أية محاولة داخلية أو خارجية لتنفيذ هذا القرار بعيداً عن مجريات الأوضاع الإقليمية ككل، وبالذات الاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية والتهديدات الإسرائيل