ها أنا أنهض من النوم في كل صباح، وأقوم بتشغيل متصفح الإنترنت وأقرأ خبراً يقول إن قنبلة مزروعة على جانب الطريق قد قتلت جندياً أميركياً آخر· وأبحث عن أية أخبار تسر الخاطر فأكاد لا أجد منها شيئاً· الله أعلم بحالنا، فنحن في حاجة ماسّة إلى فيلم جديد، لكنني لا أعني فيلم القيامة الآن · بل إن الفيلم الذي نحتاج إليه يمثل النسخة العراقية من فيلم السيد تشيبس يذهب إلى بغداد · وإليكم ما أعني: يدور كلام كثير حول ضرورة عرقنة الشرطة والقوات المسلحة، بحيث يتسنى للعراقيين أن يتولوا المسؤولية بدلاً من القوات الأميركية· ولا شك في أن هذا شيء ضروري· لكنه ليس كافياً، فقد كان ممكناً لنا أن نقوم بإدخال 100 ألف عراقي في سلك الشرطة والجيش، ولن يكون ذلك كافياً-من دون وجود شخص آخر· أعني أننا بحاجة إلى زعيم أو قائد عراقي (أو إلى مجلس قيادة) يجري انتخابه كنتيجة للعملية السياسية أو الدستورية العراقية· عندما يكون لديك جيش وقوة شرطة، من دون حكومة شرعية حقيقية، فذلك يعني أن جيشك وشرطتك قوتان عائمتان دوماً دون ارتباط- أي أنهما لا تكونان مرتبطتين بهيئة حكومية فوقهما ولا بالشعب الذي تحت سلطتهما· وإن القوات الأمنية التي تكون عائمة غير مرتبطة أيضاً، وعلى ذلك النحو لن تكون لديها السلطة التي تحتاج إليها لحفظ النظام أو مطاردة العناصر المنشقة التي تحاول استرداد الحكم البعثي· ولذا لا بد من أن تكون القوات الأمنية مرتبطة بسلطة سياسية عراقية تكون هي ذاتها مرتبطة أيضاً بدستور يكتبه العراقيون بأيديهم· ينبغي أن تكون تلك أولى أولوياتنا التي ينبغي أن نترك كل شيء من أيدينا لنلتفت إليها·
تخيلوا كم سيكون وضع الولايات المتحدة في العراق مختلفاً في نظر العالم وفي نظر الشعب الأميركي والعرب، لو أن الرئيس بوش كان يستطيع أن يقول: إن العراقيين الآن يقومون بكتابة دستورهم بأنفسهم، وهو ما سيكون أساس الانتخابات، ونحن في العراق موجودون لحماية العملية حتى تكتمل · ذلك شيء يمكن للأميركيين أن يفهموه وأن يفتخروا به، وذلك أيضاً سيوضح للعالم أجمع أن أولئك الأشخاص الذين يقتلون العراقيين والأميركيين اليوم إنما يحاولون أن يقتلوا أولاً عملية كتابة الدستور المستندة إلى قاعدة شعبية، وهي العملية الأولى من نوعها على الإطلاق في العالم العربي· لكن أحدكم قد يقول متسائلا: كنت أظن أن ذلك ما نفعله الآن؟ وأنا أقول، أجل ذلك ما نفعله الآن، غير أن العملية قد تباطأت جداً إضافة إلى أن المقاومة البعثية قد اشتدت إلى درجة صار يبدو عندها وكأننا ليس لدينا سوى عملية عسكرية، لا سياسية، في العراق·
إن سبب حدوث ذلك يرتبط بمجلس الحكم العراقي الذي قامت الولايات المتحدة بتعيين أعضائه، وهو ما يُفترض فيه أن يتوصل إلى خطة لصياغة الدستور- أي إلى لجنة لصياغة الدستور- إذ أن المجلس آخذ الآن في التحول إلى مجلس مختل الوظائف والأداء· وقد حدث أن العديد من أعضاء مجلس الحكم، أخص بالذكر منهم ابن البنتاغون المفضل أحمد الجلبي، قد تغيبوا بسبب تواجدهم خارج العراق لمدة أسابيع· ولا يحضر اجتماعات المجلس الآن سوى 7 أو 8 فقط من أصل 24 عضواً·
ويحتاج الحاكم الإداري الأميركي في بغداد بول بريمر إلى حبس أعضاء مجلس الحكم، البالغ عددهم 24 عضواً، في غرفة يقفل عليهم بابها ولا يسمح لهم بالخروج منها حتى يقوموا بإنتاج عملية ناجعة لانتخاب أو تعيين أعضاء لجنة لكتابة الدستور· وإذا لم يفعلوا ذلك، فينبغي عندئذ أن يتم تجاوزهم وأن يجري تحويل سلطاتهم وصلاحياتهم (وهذا ما يحدث في أية حال) إلى الحكومة العراقية· إن العمل الجيد الوحيد الذي قام به مجلس الحكم هو تعيين حكومة عراقية مؤلفة من 25 عضواً- وهناك ثلثان منهم يحملون شهادات الدكتوراه في مجالات خبرتهم وتخصصاتهم· وربما يكون بعض الوزراء فاسدين، لكن الأغلبية أثبتت أنها تتمتع بالقدرة والمؤهلات·
يقول حسن فتّاح وهو محرر جريدة العراق اليوم التي تصدر في بغداد: هذا البلد كان يمتلك مؤسسات كانت في حاجة ماسّة إلى الإصلاح، ولا يعني ذلك أن الناس هنا لا يعرفون كيف يديرون الأمور· إن العراق بلد فيه أناس عرفوا كيف يتولون القيادة، لكنهم كانوا يقودون على الجانب الخطأ من الطريق· وأميركا تحتاج إلى تولّي دور مدرب القيادة، في حين نتعلم نحن كيف نقود على الجانب الصحيح من الطريق· لكن لا ينبغي لأميركا أن تكون السائق ·
إن تمتع العراقيين بحصة أكبر في إدارة شؤون حياتهم بأيديهم- وذلك من خلال كتابة الدستور وبالسماح للوزراء (ومجلس الحكم، إذا صار عمله أكثر تنظيماً) بتولي زمام القيادة- إنما يعني ارتفاع جاهزية الجيش العراقي والشرطة لحماية تلك الحصة·
ها أنا أعيد وأكرر مرة أخرى ذلك المثل الذي قاله لورانس سامرز : في تاريخ العالم، ليس هناك أحد على الإطلاق قام يوماً بغسيل سيارة استأجرها · ما يزال الكثير جداً من العراقيين يشعرون أنهم مستأجرون لبلدهم، أولاً استأجروه من صدام والآن استأجروه منا نحن الأميركيين، ولذلك لم يبدأوا حقاً بغسيل بلدهم حتى الآن· ولا يم