نستطيع أن نعزو إلى موضوع الفشل الاستخباري، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق، الفضل في تحقيق شيء واحد، هو ظهور نوع جديد من أنواع الكتابة يسمى "النقد الاستخباري" والذي قرأنا نماذج منه، مدبجة بأسلوب جميل.
في البداية قرأنا التقرير، الذي أعدته لجنة الحادي عشر من سبتمبر، والذي اتسم بتقديم رواية أخاذة للأحداث التي وقعت في ذلك اليوم. والآن يأتي دور التقرير الذي أعدته لجنة القدرات الاستخبارية للولايات المتحدة المختصة ببحث موضوع أسلحة الدمار الشامل. وهذا التقرير يتضمن في جوهره هو الآخر سردا أخاذا خاصا بالأخطاء التي وقعت، وخصوصا المتعلق منها بالجاسوس الذي أقنع مجتمع الاستخبارات أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل.
ولجنة الحادي عشر من سبتمبر، التي أنهكت نفسها على ما يبدو في محاولة تقديم رواية جذابة في المقام الأول، أخفقت في الدفاع عن توصياتها الجذرية لإصلاح الاستخبارات. أما لجنة أسلحة الدمار الشامل فتخصص 300 صفحة للدفاع عن قائمتها الطويلة من مقترحات الإصلاح، والتي يبدو العديد منها معقولا.
على الرغم من تميزه، فإن التقرير لا يخلو من مواطن الضعف. من أبرز تلك المواطن، تلك النزعة للمثالية التي تغري بالوقوع في المغالطة المنطقية الخطرة، التي تقول إن جميع نواحي الفشل الاستخباري هي مجرد هفوات قابلة للعلاج. ففي الحقيقة أن معظم نواحي ذلك الفشل تعتبر محصلة طبيعية للقيود الكامنة في طبيعة العمل الاستخباري ذاته. فقبل غزو العراق، كان كل مراقب من المراقبين، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات الخاصة بالدول الأجنبية المعارضة للغزو، يعتقد أن صدام يمتلك مخزونا من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وأنه كان يحاول بناء قنابل نووية أيضا. وتاريخ صدام، وقبل كل شيء منطق الأوضاع ذاته، خلق افتراضا مؤداه أن صدام كان يمتلك مثل تلك الأسلحة بالفعل.
واللجنة تنتقد أجهزة الاستخبارات لتبنيها لهذا الافتراض، على رغم أن ذلك في الظروف التي كانت قائمة آنذاك يعد أمرا منطقيا. علاوة على هذا نجد أن اللجنة قد أهملت المبدأ الذي يقول إن البيانات الضعيفة، التي تشير كلها في اتجاه واحد، يمكن أن تضيف إلى الأدلة القوية الموجودة بالفعل.
كما يتسم التقرير الذي قدمته اللجنة بعيب آخر وهو أنه يتغاضى عن المبادئ التنظيمية المهمة. فهو يقترح أن يتم تنظيم مكتب مدير الاستخبارات القومية وفقا لخطوط وظيفية، وليس وفقا لخطوط مستقلة بحيث يكون كل جهاز مستقلا بذاته عن الآخر، وتكون له ميزانية مستقلة، ومصادر تقنية مستقلة وموارد بشرية مستقلة وما إلى ذلك. فإذا ما تم التقسيم على أساس وظيفي، فإن معنى ذلك أن الخمسة عشر جهازا التي تشكل منظومة الاستخبارات الأميركية، ستنشغل بمعارك داخلية طاحنة بين أقسامها المختلفة الوظيفة، ولن يكون هناك تنسيق بين أجزائها إلا في المستوى الأعلى فقط.
ويشن تقرير اللجنة هجوما عنيفا على مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف. بي.آي" بسبب أدائه المرتبك في جمع المعلومات والاستخبارات المحلية، ولكن مؤلفيه أحجموا عن كتابة توصية في خلاصة التقرير مؤداها أننا يجب أن نتعلم من الدول التي تتمتع بخبرة أطول في محاربة الإرهاب من خبرتنا وأننا يجب أن نقوم بإنشاء جهاز استخباري يكون معادلا لجهاز "إم آي- 5" (الاستخبارات الداخلية البريطانية).
إن موقف مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي يعكس قوته وتغلغله الداخلي والذي يرجع في الأساس إلى مكاتبه التي يصل عددها إلى 56 مكتبا ميدانيا منتشرة في كل مكان، يتجسد في الملاحظة التي أدلى بها واحد من رؤساء تلك المكاتب عندما قال: إن ابن لادن لن يذهب أبدا إلى "دي موان Des Moines " يقصد أن يقول إن المكتب يحمي جميع المواقف المهمة (في رأيي أن بن لادن لو كان ذكيا لفكر في مهاجمة "دي موان" لأنها غير محمية). لذلك فإنني أتمنى من قلبي ألا يتمكن بن لادن من قراءة تقرير تلك اللجنة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ريتشارد إيه. بوسنر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محاضر أول في القانون الدولي بجامعة شيكاغو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"