كانت الاستراتيجية الأساسية التي استخدمها تنظيم القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، هي ضرب منظومة تجارية عمومية غير مؤمنة جيدا، أو مؤمنة بشكل سيىء، بطريقة تؤدي في النهاية إلى التسبب في وقوع أضرار ثانوية كارثية. ولقد كان التوفيق حليف الإرهابيين عندما تعرفوا على مواطن الضعف التي يعاني منها مثل هذا النظام، عند قيامهم باستخدام طائرة تجارية ذات خزانات مملوءة بالوقود، وقاموا باستغلال مواطن الضعف تلك لإلحاق خسائر بشرية ومادية فادحة بالأمة الأميركية. أما الآن، وبفضل الإجراءات التي قامت بها إدارة أمن المواصلات، فإن الطائرات التجارية في الولايات المتحدة، والتي استفادت من الدروس التي خرجت بها من أحداث ذلك اليوم المشؤوم، تكاد أن تكون محصنة تماما ضد الاختطاف.
ولكن المشكلة التي نواجهها في هذا الصدد، هي أن الإرهابي شخص قادر على تكييف نفسه مع مختلف الظروف المستجدة. ولذلك فإن السؤال الأساسي الذي يتردد في أروقة وزارة الأمن الداخلي في الوقت الراهن، هو ما إذا كان الإرهابيون سوف يقومون مرة أخرى بتحديد نقطة ضعف يمكنهم من خلالها إلحاق إضرار كارثية بأميركا، قبل أن تتمكن حكومتها من تهيئة نفسها لمعالجة نقطة الضعف هذه؟.
هناك عدد لانهائي من الأهداف المحتملة في أميركا، التي لو تمت مهاجمتها، فسوف ينتج عن ذلك وقوع خسائر بالمئات في صفوف المدنيين، في حين أن عدد الأهداف المحتملة، التي يمكن أن ينتج عنها خسائر بالآلاف محدود، ويمكن التعرف عليه. وفي داخل الحكومة الفيدرالية، نجد أن وزارة الأمن الداخلي هي المسؤولة عن التعرف على تلك الأهداف، التي يحتمل أن تؤدي مهاجمتها إلى نتائج كارثية، وذلك من خلال تحليل خططها الأمنية، واتخاذ الإجراءات اللازمة، إذا ما وجدت أن الترتيبات الأمنية المتخذة لحماية تلك الأهداف قاصرة.
بشكل عام، يمكن القول إنه من الخطأ أن نقوم بلفت الانتباه إلى أكثر نقاط الضعف المدنية خطورة في أميركا. فمسؤولو الحكومة يجب ألا يقوموا بذلك، بل ولا يجب أن يطلب منهم أن يقوموا بذلك في الأساس. أما المواطنون العاديون، فيمكنهم أن يقوموا بذلك، ولكن بحرص شديد، وعندما تعجز الحكومة عن التصرف. ومن بين نقاط الضعف، أو مصادر الخطر المكشوفة المتبقية، هناك مصدر خطر يبرز بشكل واضح، وهو مميت للغاية، ومتغلغل في كل مكان، ومكشوف أمام الهجمات الإرهابية، ألا وهو الكيماويات الصناعية التي يؤدي استنشاقها إلى التسمم، مثل الكلورين، والنشادر، والفوسجين، وميثيل البرومايد، والهايدروكلوريك، وغيرها من الأحماض. وهذه الكيماويات الذي يعتبر بعضها مماثلا للمواد الكيماوية التي تم استخدامها في الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، يتم شحنها بشكل روتيني وتخزينها بالقرب من المراكز السكانية بكميات كبيرة، وفي أحوال كثيرة دون اتخاذ أي إجراءات أمنية من أي نوع.
والحكومة الفيدرالية، تمتلك سلطة تنظيم أمن هذه المواد الكيماوية أثناء نقلها عبر الطرق البرية، أو السكك الحديدية، أو عبر المجاري المائية. وباستثناء واحد محدود، فإن الحكومة الفيدرالية، لم تمارس هذه السلطة على مستوى كبير، منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهكذا فإنه يمكن القول إنه لم يحدث هناك أي تحسين ذا مغزى، في أمن الكيماويات التي يتم نقلها عبر مراكزنا السكانية.
في خطوة يائسة، قام مجلس منطقة كولومبيا مؤخرا بالتصويت على حظر مرور الشحنات المادية الخطرة عبر منطقة وسط مدينة واشنطن. هذا المرسوم الحكومي جيد بلا شك بالنسبة لواشنطن، ولكنه ضار بالأجزاء الأخرى من البلاد التي سيتم تحويل تلك الشحنات إليها. علاوة على ذلك، فإن العبء الاقتصادي المباشر لهذا المرسوم، سيقع على عاتق مؤسسة " سي. إس. إكس"، وهي الشركة التي تمتلك خطي السكك الحديدية اللذين يمران عبر واشنطن، والتي شرعت في رفع قضية لتعويق تنفيذ المرسوم. والحكومة الفيدرالية تدعم جهود شركة" سي إس إكس"، وهو في الحقيقة موقف محرج بالنسبة لإدارة مهمومة بالأمن، فشلت حتى الآن في إصدار أمر ملزم، ينتج عنه تقليص درجة الانكشاف والخطر التي يتعرض منها هذا القطاع بشكل منتظم وشامل.
إن الإدارة تستطيع، بل ويجب أن تتصرف فورا، لزيادة درجة تأمين الكيماويات السامة أثناء نقلها في مختلف أنحاء البلاد، علما بأنها ليست في حاجة إلى استصدار تشريع جديد كي تقوم بذلك. بشكل خاص، يمكن لوزارة الأمن الداخلي أن تقوم بتوزيع لوائح تتضمن ضرورة قيام الشاحنين الكيماويين بتعقب حركة جميع الكيماويات السامة الكترونيا، والقيام بإبلاغ هذه المعلومات إلى وزارة الأمن الداخلي في الوقت المناسب، وتنص على استخدام ضوابط لنقل تلك الكيماويات، تعتمد على أخذ بصمات الأصابع الخاصة بسائقي السيارات التي تقوم بنقل الحمولات الكيماوية، واستخدام إشارات للشحنات المنقولة لا يتم الكشف عن معناها إلا لعدد محدود من الأشخاص، وإنجاز تدقيق على الخلفيات الحياتية والوظيفية لمعظم العاملين في نقل تلك المواد، وتقوية درجة مرونة ومتانة الحاويات الكيماوية،