إن كان ثمة أمر واحد واضح وضوح الشمس لأي ناشط بيئي، فهو أن الطاقة النووية كانت تمثل التهديد البيئي الأكثر خطراً الذي تواجهه الأرض. ذلك هو السبب الذي دعا ديك جريجوري لأن يتعهد بقيادة أكثر الحملات المعادية للطاقة النووية تصميماً، وذلك بإعلانه إضراباً عن تناول أي من أصناف الطعام الصلب في عام 1979، أقسم ألا يوقفه حتى يتم إغلاق كافة محطات توليد الطاقة النووية في الولايات المتحدة الأميركية. ولا شك أن السيد جريجوري قد تضور جوعاً.
إلا أنه حان الوقت الآن، لتجاوز تلك الكراهية المعادية للطاقة النووية. ولما لم يعد خفياً أن أكبر تهديد يواجهه كوكبنا هو ظاهرة الإحماء الشامل، فقد نظر الكثيرمن البيئيين، إلى الطاقة النووية على أنها البديل الأفضل والخيار الأكثر قرباً للطاقة الصديقة الخضراء. فخلافاًَ لأنواع ومصادر الطاقة الأخرى، تتسم محطات الطاقة النووية، بأنها لا تفرز أياً من غازات بيت الزجاج. ومع أن السياسة البيئية العامة لإدارة الرئيس بوش تثير قلقي في العديد من الجوانب، إلا أنه يبدو محقاً في اتجاهه صوب الطاقة النووية. فعلى الرغم من أن زيادة محطات الطاقة النووية الموجودة حالياً في الولايات المتحدة، قد توقفت منذ عام 1973، إلا أن هناك العديد من التصورات الخاصة بإنشاء محطات جديدة. وقد بدأ العمل فيها بالفعل، وهو أمر جيد بالنسبة لنا وللعالم الذي نعيش فيه.
فالمتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 60 في المئة، خلال الخمسة وعشرين عاماً المقبلة، وفقاً لإحصاءات وتقديرات "الوكالة الدولية للطاقة". كما يتوقع أن تكون الطاقة النووية، البديل الأفضل والأكثر نظافة لسد هذه الحاجة المرتفعة. وبالنظر إلى الطاقة الشمسية، فهي ليست سوى بديل نظري محبط. ذلك أنها وعلى رغم ما بذل فيها، لا تزال تمثل سوى خمس واحد، من واحد في المئة فحسب، من حجم الاستهلاك القومي للطاقة هنا في أميركا. أما تكلفتها فتعادل خمسة أمثال ما تكلفه أنواع الطاقة الأخرى. على عكس ذلك نجد أن طاقة الرياح لا تزال تحمل الكثير من البشائر والوعود، نتيجة لانخفاض تكلفتها بنسبة 80 في المئة. لكنها تواجه صعوبة واحدة لا تزال تستعصي على الحل. وتتمثل هذه الصعوبة في أن الرياح لا تهب في كل الأوقات، على مدار العام. ومن هنا تكمن صعوبة الاعتماد على مصدر غير منتظم ومستمر للطاقة.
بالمقارنة مع هذين المصدرين السابقين، نجد أن الطاقة النووية، تسهم سلفاً بنسبة 20 في المئة من حجم توليد واستهلاك الطاقة الأميركية وحدها، دعك عن كونها تسهم بنسبة 75 في المئة من الحجم الكلي لإنتاج واستهلاك الطاقة في دولة أوروبية مثل فرنسا. ومع أنه يصح تماماً القول إنه ينبغي للتخطيط الراشد في مجال الطاقة، أن يأخذ بالاعتبار الجوانب المتصلة بالمحافظة على البيئة، على نحو يفوق كثيراً ما تتبناه إدارة بوش من خطط وسياسات في هذا المجال –كأن تشجع هذه الخطط على إنتاج السيارات ووسائل النقل التي تعمل بالطاقة المهجنة، وطاقة الهيدروجين وغيرهما-. غير أنه يصح أيضاً القول إن الطاقة النووية، لا تزال هي النوع الوحيد من أنواع الطاقة التي لا تسهم بأي درجة كانت، في ظاهرة الإحماء الشامل. ليس ذلك فحسب، بل إن في وسع هذه الطاقة أن تصبح مسهماً رئيسياً في الشبكة القومية للكهرباء. ولكن يبقى سؤال واحد على درجة من الأهمية: هل هي آمنة؟ كلا... ليس تماماً. ولنا فيما حدث من انفجارات كارثية مدمرة، في كل من محطتي "مايل آيلاند" و "تشيرنوبل" أبرز الأمثلة على ما تمثله من خطر نووي.
ليس ذلك فحسب، بل تقترن هذه المحطات بما بات يمثله الإرهاب الدولي من خطر، باستهدافه لها وعدم تردده في تفجيرها إن تمكن. لكن وعلى رغم هذه المخاوف، فقد تراكمت للعالم خبرة في التعامل مع هذه المحطات، مداها نصف قرن كامل من الزمان، أظهر خلالها التعامل مع نحو 440 محطة من محطات الطاقة النووية المنتشرة حول العالم، قدراً كبيراً من السلامة والأمان، فيما عدا حالات استثنائية نادرة، مثل تلك التي ذكرناها للتو. في مقابل ذلك فإن المصدر الرئيسي الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة الأميركية في طاقتها هو الفحم الحجري، الذي يموت جراء تأثيراته الصحية الضارة نحو 25 ألف مواطن سنوياً. ولكي نعبر عن هذه الفكرة بما يلزم من وضوح، لنقل مباشرة إن الطاقة النووية أكثر أمناً وسلامة من الفحم الذي يودي بحياة 60 مواطناًَ أميركياً يومياً. وفوق ذلك، فقد أصبحت تكنولوجيا الطاقة النووية أكثر تطوراً وسلامة خلال الأعوام الماضية. وربما يكون المستقبل لآخر وأحدث المفاعلات النووية المتطورة، التي جرى تصميمها مؤخراً. فهي تتسم بدرجة عالية من الكفاءة وسلامة التشغيل، فضلاً عن عدم قابليتها للانفجار أو الذوبان، مثلما حدث في بعض الحالات النادرة الاستثنائية، على النحو الذي بيناه من قبل.
يشار هنا بهذه المناسبة إلى أن الشيء الوحيد الذي قتل فكرة توسيع محطات توليد الطاقة النووية، هو الأفكار الاقتصادية الباردة، عديمة الخيال. وإلى الآن، لا تزال تشير بعض الدرا