ما هو رأي الروس في "البيروسترويكا" بعد مرور 20 عاما على ظهورها. نصف عدد الروس تقريبا، يرون أنها كانت ضرورية، في حين أن ثلثهم، أو 35 في المئة منهم، يرون أنها لم تكن كذلك. وهذا في الحقيقة يمثل تغيرا طفيفا، وإن كان دالا، عن آخر مرة أجري فيها استطلاع رأي حول هذا الموضوع حين أعرب 40 في المئة من الروس عن رأيهم بالقول إن البيروسترويكا كانت ضرورية أو مرغوبة.
يعتقد بشكل عام، أن البيروسترويكا قد ظهرت في روسيا عام 1982، وتحديدا خلال المدة القصيرة التي لم تزد عن عام واحد، التي تولى فيها "يوري أندروبوف" منصب السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. ولكن الحقيقة هي أن الحاجة لإصلاح الدولة والاقتصاد، كانت واضحة قبل ذلك أمام بعض أعضاء النخبة الحاكمة. وعلى الرغم من أن المدة التي أمضاها أندروبوف كانت قصيرة إلى درجة لم تكن تسمح له بتطبيق خطة متكاملة للتغيير، إلا أنه كان قادرا على توضيح الفكرة التي كان يؤمن بها، وهي أن النظام الاقتصادي لابد أن يطاله الإصلاح، قبل أن يتم تغيير هيكل الدولة.
وهذه الفكرة ذاتها، هي الفكرة التي آمن بها قادة الصين الشيوعية، وإن لأسباب مختلفة. فالقادة الصينيون فرضوا النمو الاقتصادي، وسمحوا بمراكمة الثروات – انطلاقا من خوفهم على سلطتهم. فحتى الآن – وحسبما أرى- لم تقم قيادة الحزب الشيوعي الصيني، بقبول حتمية وأفضلية الإصلاح السياسي الإيجابي بشكل جدي. فسحق المظاهرات في ميدان تيان آن مين، كان هو ردهم على نداءات التغيير الفوري، التي ارتفعت في ذلك الوقت من الشعب الصيني، ونخبه. لقد كان أندروبوف يعرف أن التغيير السياسي كان ضروريا، ولكنه كان يؤمن مع ذلك بضرورة تأجيل هذا التغيير، كي لا يتداخل مع الإصلاح الاقتصادي.
ووفقا لدراسة مثيرة للاهتمام عن تطور البيروسترويكا أعدها "فيكتور كوفالدين"، لمؤسسة جورباتشوف، كان هناك أعضاء في القيادة السوفيتية في الفترة التي تولى فيها أندروبوف، ممن كانوا يشكون في صحة الفكرة القائلة بأنه يجب الفصل بين التغيير الاقتصادي والتغيير السياسي. فـ"جورجي شاخنازوف" - الذي أصبح فيما بعد من ضمن الدائرة المغلقة من المستشارين المحيطين بجورباتشوف- كان على سبيل المثال واحدا ممن لم يؤمنوا بأن البيروسترويكا ستنجح، كما كان يعتقد أن النخبة الشيوعية الحاكمة ستستخدم السلطة التي كانت تقبض عليها في منع حدوث الإصلاح.
وعندما جاء جورباتشوف إلى الحكم، فإن ترتيب الإصلاح المقصود أصبح كما يلي:"تحقيق" ثورة في الوعي "الجلاسنوست" في اللغة الروسية والتي تعني كذلك (المصارحة وكشف الحقيقة عن الماضي والحاضر) على أن يتبع ذلك الإصلاح السياسي، ثم يأتي في النهاية دور التحولات الاقتصادية.
وقام جورباتشوف بتسريع خطوات البيروسترويكا من خلال تحقيق "الوثبة إلى الحرية" كي يجتاح العقبات الراسخة، ويجعل الإصلاحات القائمة غير قابلة للإلغاء.
وهكذا وبحلول النصف الثاني من عام 1986، كان يجري بشكل متزايد صب البيروسترويكا والجلاسنوست في قوالب جديدة، بحيث تبدوان وكأنهما فكرتان ثوريتان في الأصل، تسعيان إلى تحقيق تحول ديمقراطي، وإصلاح بوتيرة سريعة وحاسمة. علاوة على ذلك فإن من قاموا بصياغة سياسات جورباتشوف كانوا متأثرين تأثرا كبيرا بالتركيز الغربي على الفردية، وعلى الفكرة الأميركية التي كانت لا تزال عصرية ومؤداها أن الديمقراطية ظاهرة عفوية من ظواهر السوق.
مع ذلك، فإن الاتحاد السوفيتي أثبت أنه لم يكن جاهزا لاقتصاديات السوق، أو للديمقراطية. فالمجتمع السوفيتي كان يفتقر إلى تقاليد، وروح، المشاريع الحرة... كما كان يفتقر أيضا إلى تقاليد المجتمع المدني التي تتمثل في التسويات والحلول الوسط، والتنظيم التعاوني كما كان ينقصه أيضا البنى المؤسسية والقانونية القادرة على احتواء القوى الجديدة. وقد كادت ظواهر التخلخل والتشوهات، التي أفرزها التغيير الاقتصادي تودي بالإصلاحات التي تحققت. وعندها ووفقا لرواية "كوفالدين" أدرك جورباتشوف أن الاكتفاء بإدخال تجديدات أو إجراء عمليات ترميم على النظام السوفيتي كان أمرا عديم الجدوى، وأنه يجب بالتالي استبداله بنظام جديد تماما.
في عام 1987، اختار الاجتماع العمومي للجنة المركزية، إجراء عملية تغيير جذري، وتسريع التحول الديمقراطي، والتخلي عن التحديث المحكوم، تحت ظل النظام الشمولي. عند تلك النقطة، كان الموضوع الرئيسي هو ما إذا كانت المجموعات الموجودة على قمة بنية السلطة السوفيتية، ستدعم جورباتشوف أم لا؟. وهل سترى تلك المجموعات في برنامجه الخطوط الخارجية لبنية جديدة يظلون فيها محافظين على مكانتهم، أم أنهم سيصلون إلى محصلة مؤداها أن تغييرات جورباتشوف ستهدد وجودهم؟. وما حدث في ذلك الوقت هو "أن الطبقات الأكثر نفوذا من بين زعماء الحزب، بدأت تنقلب بشكل متزايد ضد جورباتشوف"- بحسب عبارة كوفالدين.
وبنهاية 1989، كان جورباتشوف قد حقق إنجازات كبرى في مجال العلاقات الخارجية، ومجال الحد من انتشار الأسلحة، كما نجح في إجرا