يشير بعض المعلقين العرب إلى أن عضو الكونجرس "توم لانتوس" يهودي، وأن هذا يفسر تبنيه لقانون "معاداة السامية" ونجاحه في تمريره. وفي تصوري أن يهودية "لانتوس" مسألة لا تعني الكثير، فتحركه يأتي كجزء من التوجه الاستراتيجي العام للولايات المتحدة، والدليل على ذلك أن اقتراحاته تحظى أحيانا بالقبول، كما في حالة قانون "معاداة السامية"، وأحيانا أخرى بالرفض، كما في حالة اقتراحه تخفيض المعونة الأميركية لمصر بدعوى أنها تدعم قدرات الجيش في مواجهة إسرائيل! فالعنصر المحدد لأي قرار أميركي هدفه الأساسي مصلحة أميركا الاستراتيجية كما تتصورها النخبة. وعلينا أن نفهم أن اللوبي الصهيوني لا يقرر التوجه العام للسياسة الأميركية، وإنما يمكن أن يتدخل في التفاصيل، أما التوجه العام فتحدده النخبة الأميركية الحاكمة والتي يلعب فيها كبار الرأسماليين وأصحاب الشركات دورا مهما جدا في صياغة هذا التوجه، أما مهمة اللوبي الصهيوني فهي إيجاد مكان له للتحرك داخل الاستراتيجية العامة ومن خلالها يمكنه التأثير، فاللوبي في رأيي جزء وليس المؤثر الأكبر في السياسة الأميركية.
وصحيح أن المحافظين الجدد معظمهم من اليهود إلا أن هذه المسألة تعد ثانوية، فتحركهم يأتي من خلال سياسة ترى النخبة الحاكمة أنها تخدم المصالح الأميركية، ومازالت على قناعة بأن أميركا هي في الأساس تشكيل إمبراطوري، في عالم أحادى القطب، تشكل الصهيونية جزءا منه. في هذا السياق يجب أن نفهم ما هو الجزء و ما هو الكل!.
وقد تم توسيع مفهوم "معاداة السامية" بحيث أصبح انتقاد إسرائيل والصهيونية شكلا من أشكال "معاداة السامية" هذا على الرغم من أن إسرائيل دولة تتعمد خرق القانون الدولي وترفض تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، وآخرها حكم محكمة العدل الدولية بخصوص جدار الفصل العنصري. وثمة انتقادات دولية عديدة توجه لإسرائيل من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وكذلك منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بالإضافة إلى بعض المنظمات الإسرائيلية وبعض كبار الكتاب الغربيين من اليهود وغير اليهود. وتوسيع المفهوم يعد نوعا من أنواع الردع الاستباقي الذي يوجه لكل مصادر النقد المحتملة لسياسة إسرائيل أو ممارسات قوات الاحتلال. وهو لا يختلف من قريب أو بعيد عن تعريف الإرهاب ووصف المقاومة بأنها شكل من أشكال العنف والإرهاب، وقد وصل التطبيق لهذا المفهوم الموسع لـ"معاداة السامية" إلى مداه عندما تم توجيه هذا الاتهام إلى الشعوب الأوروبية عندما بينت نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجري في بلدان الاتحاد الأوروبي، أن غالبية المواطنين الأوربيين (حوالي 60%) تذهب إلى أن الدولة الصهيونية تمثل أكبر خطر على السلام العالمي. فاحتجت المنظمات الصهيونية وأخرجت من جعبتها الاتهام الجاهز. وقد اخترقت عملية توسيع نطاق مصطلح "معاداة السامية" الموسوعات والقواميس. فقاموس "وبستر" يعرف العداء للسامية بأنه العداء لليهود كأقلية والعداء للصهيونية والتعاطف مع خصوم دولة إسرائيل، وبذلك يصبح التعاطف مع الفلسطينيين نوعا من العداء للسامية! وفى مقال كتب عن معاداة السامية في العالم العربي نشر في صحيفة "نيويورك تايمز" اتهمني كاتب المقال بأنني أتناول ما سماه بالإنجليزية "anti-Jewish themes" أي موضوعات ضد اليهود، أي أن ثمة موضوعات بعينها، بغض النظر عن طريقة أو منهج أو مضمون التناول، تعد ضد اليهود. ولم يذكر المقال نوعية هذه الموضوعات، ولكن حيث إنني لا أهاجم لا اليهود ولا اليهودية قط، فإن هذه الإشارة الغامضة تشير ولا شك إلى الهجوم على الصهيونية وإسرائيل. وصدور هذا القانون وتوسيع مفهوم معاداة السامية يثير عدة مشاكل قانونية وإنسانية:
1- يشكل القانون ما يمكن تسميته "عنصرية معاكسة" تمنح اليهود منزلة خاصة فوق غيرهم من الأعراق وأصحاب العقائد الأخرى، وتجعلهم معصومين من المحاسبة، وتمنحهم مطلق الحرية لمهاجمة كل الأديان والأعراق. كما يمنح القانون الحصانة لإسرائيل ويجعلها دولة مقدسة ويجرم نقدها ويجرم منتقديها ومعارضيها. وهنا يطرح السؤال نفسه: من الذي سوف يحاسب العنصرية الإسرائيلية وسياسة التشهير التي تقوم بها جماعات "يهودية" ومنظمات صهيونية وشخصيات دينية "يهودية" ووسائل إعلام إسرائيلية ضد الأغيار جميعا، أي كل غير اليهود بشكل عام والعرب على وجه الخصوص؟
2- القانون قائم على أساس عنصري تمييزي كونه يضع جماعة من البشر فوق الآخرين. ولا يقتصر القانون على تمييز دين معين، ولكنه يخدم أغراضا أخرى سياسية عبر قمع أي رأى ينتقد السياسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. فمثل هذه الآراء أصبحت "معادية للسامية" أيضا كونها تنتقد إسرائيل وتسعى للإضرار بها. كما أن فعل مقاومة الاحتلال الصهيوني أصبح هو الآخر شكلا من أشكال الإرهاب والعداء للسامية.
3- يتناقض القانون مع كافة قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان عامة، كما يتناقض بشكل واضح مع الرؤية العالمية لحقوق الإنسان بوصفها حقوقا وقوا