مرة أخرى يضع تقرير التنمية الإنسانية العربية إصبعه على موقع الداء، فيتناول معضلة المعضلات، ألا وهي قضية الحرية التي يشتهيها المواطن العربي في وطنه ولا يدركها فيه. ففي الطبعة الثالثة التي صدرت مؤخرا من التقرير، يتساءل معدوه، وهم رهط من المفكرين المستقلين، لماذا بقي العرب الأقل تمتعاً بالحرية بين مختلف مناطق العالم؟ وما الذي يفرغ المؤسسات "الديمقراطية"، حين تنشأ في العالم العربي، من مضمونها الأصلي الحامي للحرية؟
وفي معرض تفسيره لتلك المفارقة، يوضح التقرير أن إخفاق عملية التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية هو تعبير عن تضافر بنى محلية، سياسية واجتماعية واقتصادية، عملت على تغييب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة والفاعلة، ومن ثم إفقار الحركة الديمقراطية وحرمانها من قوة دفع حقيقية. كما ترتب على التناقض بين الحرية في البلدان العربية ومصالح القوى المهيمنة عالمياً، استفحال القمع وتحجيم فرص التحول الديمقراطي في هذه البلدان.
ويدلل ذلك التحليل الموضوعي مرة أخرى على تهافت أطروحات "التفسير الثقافي" التي طالما روجت لها أقلام ومنابر كثيرة، فنبشت في مكونات الموروث الثقافي عن أصل الاستبداد المهيمن على واقع الحياة العربية المعاصرة، وكأن ذلك الموروث غذاء يومي تمثله الغدد الهضمية لدى معظم صانعي السياسات العربية، أي الذين يفقرونها بشكل ممنهج ومستمر!.
محمد رجب السيد - القاهرة