على رغم حيويتها البادية في عيون الأطفال، إلا أن المعرفة بالديناصورات لا تزال محدودة وقاصرة على بقايا عظامها، التي تحولت منذ أزمنة سحيقة إلى متحجرات. أما خلاياها الحية الناعمة، فقد ذهبت عنها حيويتها الأصلية حتى في الحالات النادرة التي ينجح العلماء في بث بعض الحياة فيها. غير أن هذا القصور ربما يتمكن العلماء من تجاوزه الآن، إثر العثور في ولاية مونتانا، على نوع من ديناصورات تيرانوسورس يقدر عمره بنحو 70 مليون عام، يتوقع له أن يحدث تغييراً جذرياً في طريقة فهم العلماء ودراستهم للديناصورات. فالذي تم اكتشافه على وجه التحديد في هذا الديناصور، خلايا ناعمة حية، بما فيها الشعيرات والخلايا الدموية، مع ملاحظة أن تلك الخلايا لا تزال تحتفظ بطراوتها ومرونتها الأصلية، التي كانت عليها في حياة الديناصور. ليس ذلك فحسب، بل لقد أظهر اختبار وتصوير معملي، أجريا للخلايا الدموية للديناصور المذكور، أنها لا تختلف كثيراً عن تلك التي استطاع العلماء الحصول عليها وإحياءها من متحجرات نعام قديم. والمعلوم أن النعام يعد الطائر الأكثر ضخامة في عالم اليوم، وأن الكثير من علماء المتحجرات يعتقدون أنه سليل نوع من أنواع الديناصورات.
وفي ورقة علمية نشرها الفريق المشارك في عملية التنقيب والبحث والاختبارات، في "مجلة العلوم"، جاء أن هذا الاكتشاف العلمي المهم، ربما يفتح الباب أمام دراسة غير مسبوقة لفيزيولوجيا وأعضاء جسم الديناصور، بل وربما بعض الجوانب ذات الصلة بالبيولوجيا الكيمائية لهذا الكائن المنقرض.
وفي لقاء صحفي هاتفي أجري مع الدكتورة ماري إتش. شفايتزر، من جامعة كارولينا الشمالية، قالت إنه لم يسبق مطلقاً أن نجح العلماء في العثور على خلايا ديناصورية بكل هذه الحيوية والمرونة والشفافية. لكن وعلى رغم هذا التفاؤل الكبير، حذرت الدكتورة ماري شفايتزر وغيرها من الباحثين والعلماء غير المشاركين في هذه الدراسة، من التسرع في إعلان النتائج النهائية، قبل إجراء المزيد من الاختبارات التفصيلية الدقيقة، الهادفة للتأكد من أن الخلايا المذكورة لم يجر عليها أي تحوير، وأنها ظلت محافظة على خصائصها العامة الرئيسية، على حد ما جاء في النشر الأولي لنتائج الأبحاث التي أنجزت حتى الآن.
كما ذكر هؤلاء الباحثون أيضاً أن استخلاص ودراسة الحمض النووي الخاص بالديناصورات، وإخضاع هذه الكائنات للدراسة الوراثية الدقيقة، لا يزال أمراً بعيداً، على رغم عدم استحالته في الماضي. لكن وعلى إثر التيقن التام مما نسب إلى هذه الخلايا الجديدة المكتشفة من مرونة وطراوة وحيوية، فإن باباً مهماً سيفتح للتو، أمام الباحثين والعلماء المختصين في هذا المجال. ذلك هو ما أكده الدكتور إم. فيتمر، في مقالة علمية منفصلة، نشرها حول هذا المعنى في العدد الأخير من "مجلة العلوم"، قال فيها إن العثور على خلايا ديناصورية حية طرية غير متحجرة، سيمكن العلماء حتماً من استخلاص الحمض النووي للديناصورات، لأول مرة في تاريخ علم المتحجرات، وفي تاريخ دراسة الديناصورات على وجه الخصوص. يذكر أن الدكتور إم. فيتمر، يعمل أستاذاً لعلم المتحجرات بجامعة أوهايو. وقد وصف فيتمر، هذا الاكتشاف الجديد بالإثارة والأهمية العلمية الفائقة.
وما يأمله العلماء، أن تكون الخلايا المذكورة قد حفظت في حالة جيدة، وأن تكون محافظة على خصائصها الفيزيولوجية والبيولوجية بالفعل، طوال هذه السنين، لأن ذلك سيمكنهم من الحصول على مكونات بروتينية ديناصورية حية، مع العلم بأن هذه المكونات تعد أكثر قوة وقدرة على المحافظة على خصائصها ومكوناتها، فضلاً عن تفوقها من حيث الوفرة، على الحمض النووي للديناصورات.
وإن كان العلماء يعلقون آمالاً عريضة على المكونات البروتينية خاصة، فما ذلك إلا لاعتقادهم بأنها ستتيح فرصة نادرة وغير مسبوقة في تاريخ العلم، للكشف عن لغز ارتباط الديناصورات وراثياً بعدد من الكائنات الأخرى، علاوة على أنها ستسمح بفض لغز فيزيولوجية الديناصورات نفسها. وأهم ما يعول عليه العلماء في هذا الجانب التحقق من مدى صحة الافتراضات العلمية القائلة إن الديناصورات تختلف عن بقية الزواحف الأخرى، في أنها ليست من ذوات "الدم البارد". فالمعلوم حتى هذه اللحظة، سيادة الاعتقاد بأن الديناصورات تصنف ضمن الكائنات الحية ذات "الدم الحار". ولكن نبهت الدكتورة شفايتزر إلى أن التصدي لجوانب معينة من دراسة فيزيولوجيا الديناصورات، لن يكون ممكناً إلا في حال تمكن العلماء من عزل مكونات بروتينية معينه من جسم الديناصور.
والمعلوم أن الحفريات التي تتم لمتحجرات الديناصورات، ينتج عنها في بعض الأحيان، العثور على مكونات أخرى غير العظام، مثل الريش وبقايا الأجنة، وبعض الأجزاء والأعضاء الداخلية. وكما لاحظ فريق الدكتورة شفايتزر، فإن هذه الأعضاء قد تحافظ في حالات كثيرة على شكلها الخارجي، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة محافظتها على الخصائص والمكونات الخلوية الطرية للحيوان خلال فترة حياته. وفي حال العثور على هذه الخلايا والمك