تحت عنوان "الحُطام المعرفي العربي في قبضة مجتمع المعرفة" نشرت "وجهات نظر" يوم الثلاثاء 5-4-2005، مقالاً للدكتور طيب تيزيني، وضمن تعقيبي على ما ورد في هذا المقال، فقد استفزني حديث الكاتب عن الاستبداد السياسي بمعزل عن إرادة الشعوب، أو قبضة المجتمعات كما وصفها الكاتب في مقاله. فالاستبداد السياسي عندما يتفشى في جسد المجتمع يتشابه مع السرطان من حيث سرعة نمو خلاياه وانتشاره، واستحالة علاجه. ذلك أن هذا الاستبداد يربي القادة على تملك كل شيء، ويغدو الواحد منهم، صغيرهم وكبيرهم، ساعياً نحو الاستعباد وحشر العباد في خانة فكره الضيقة، وهكذا تتجلى رؤية الاستبداد السياسي داخل البؤر الاجتماعية الضعيفة، وهو بالتأكيد يزيد من ضعف هذه البؤر، وحينما تذوب فئات اجتماعية اعتادت الاستبداد السياسي في حياتها في مجتمعات أخرى، تراها تنشره دونما قصد أو ترصد.
هذه الآفة التي تسمى الاستبداد لا يمكن أن تنطلي على ذي عقل ورؤية ذهنية صافية، وفي ذات المقام لا يمكن أن تمر على من خبرها وخبر أبعادها ومزالقها وممالكها.
إن الغريب في الأمر أن من يستبد بالعباد وهو في مركز سياسي ذي ثقل يعلم بقصص أمثاله ممن استبدوا بالناس ثم أصبحوا يبحثون عن غطاء لرؤوسهم يحميهم من ضربات الاستبداد الموجعة، لا بل القاتلة... العبرة علمت الإنسان أن الأمور بخواتيمها، وأن مقال اليوم ربما لن يناسب مقام غدٍ، والحكمة واضحة فيما كتب د. طيب تيزيني حول الحطام المعرفي لدى مجتمعاتنا العربية راهناً، وهو السبب الرئيس في زيادة حجم الاستبداد والتخلف السياسي.
إن كثيراً من الدول العربية تبحث اليوم عما يسمى بالتنمية السياسية في حين أنها تمارس أنماط الاستبداد السياسي دون أن تدرك ذلك نظرياً، وهو دليل على أن الحطام المعرفي، أو الدمار الثقافي، قد وصل حدوداً يُخشى منها، ويُخشى من تفاقمها، ومثال ذلك واضح في تناقض الدولة مع سياساتها تجاه الشعوب. فكيف يمكن أن تخلق تنمية سياسية لمجتمعات انتشر في جسدها سرطان الاستبداد السياسي؟.
إنني أحترم حديث د. طيب تيزيني حول وجود مربع للاستبداد، أضلاعه هي: "الانفراد بالسلطة، وبالثروة، وبالحقيقة، وبالرأي العام"... ولينظر الكاتب إلى الساحة اللبنانية اليوم حيث يطالب الشعب بـ"الحقيقة" التي تنفرد بها السلطة.. دونما فائدة!.
جهاد ربيع ـ الأردن