لعل صندوق القمامة هو آخر مكان يبحث فيه الناس عن مواد تستخدم في صناعة الحديد والفولاذ، ولكن المواد البلاستيكية التي بدأت تجمعها "فيينا ساهاجوالا" في مدينة سيدني الأسترالية أصبحت تمثل الحل "الأخضر" أو الأكثر نظافة لبعض المشاكل البيئية الناجمة عن تحويل سكراب المعادن إلى أسياخ وعوارض فولاذية. وفي الوقت الذي ظلت تستخدم فيه أفران الصهر الحالية الفحم في عمليات احتراقها فقد بدأت "ساهاجوالا" تفكر في استخدام النفايات البلاستيكية بدلاً من الفحم في عمليات الاحتراق. ولقد مضت في إجراء بحوثها التي تعتبرها جزءاً من الجهود العالمية الواسعة والساعية لإخضاع إنتاج الفولاذ ضمن الأهداف الخاصة بالتنمية المستدامة للقرن الحادي والعشرين. ويذكر أن مصنعي الفولاذ في الدول الصناعية خلال فترة الثلاثة عقود الماضية قد نجحوا في تحقيق قفزات كبيرة فيما يتعلق ببناء وحدات أكثر ترشيداً وكفاءة لإنتاج الطاقة، وفي الحد من كثير من مستويات التلوث التي ظلت تتسرب من مرافقهم الصناعية.
على أن معظم التكنولوجيات الحالية ما زالت تعتمد على الفحم -أو على الغاز الطبيعي في حالات قليلة أخرى- كمصدر للكربون يعمل على تنقية خام الحديد أو معادن السكراب كما يشير الباحثون. وفي نفس الوقت فقد استمرت العديد من الدول المتقدمة تدير مصانع أقل كفاءة وتبعث بكميات هائلة من الملوثات في الجو. وإذا ما تمكنوا من التوصل إلى تكنولوجيات أكثر صداقة للبيئة بأسعار مناسبة فسيصبح بمقدورهم تنظيف الهواء والمياه في نفس الوقت الذي يبنون فيه صناعات وطنية ذات جودة عالية في إنتاج الفولاذ. لذا فإن العلماء في آسيا وأفريقيا الشمالية وفي أوروبا باتوا يتطلعون إلى استبدال الفحم بمادة "البيوماس" أو الهيدروجين بالإضافة إلى السعي إلى إيجاد سبل تؤدي إلى التخلص من الفضلات والنفايات في بعض عمليات تصنيع الفولاذ. وتقول الدكتورة "ساهجوالا": "إذا ما نظرنا إلى النفايات كمصدر يتمتع بقيمة جيدة وبدأنا في استغلالها فإن هذا الأمر يقودنا بشكل فعال إلى مفهوم المواد المستدامة. وإذا ما أردنا أن ننظر إلى مواد النفايات كمصادر يمكن الاستفادة منها يجب علينا أن نتساءل أولاً عن التكنولوجيات والعمليات الحالية التي نستخدمها". وبنظرة أولى فمن الصعب أن نعتبر إدخال البلاستيك إلى أفران الصهر أمرا يتسق مع المعايير البيئية، لذا فإن العديد من الباحثين قد لاحظ بالطبع أن جميع أنواع البلاستيك لا تصلح لهذه العملية. ولكن الدكتورة "ساهاجوالا" الأستاذة في علوم وهندسة المواد في جامعة "نيوساوث ويلز" في سيدني تفسر هذا الأمر وهي تشير إلى أن البلاستيك في معظم أشكاله الأساسية يتألف من الهيدروجين والأكسجين والكربون. وهي بالطبع تركز على الكربون عندما تدرس إمكانية استخدام البلاستيك في أفران الصهر الكهربائية الخاصة بإنتاج الفولاذ.
ويذكر أن الفحم قبل استخدامه في تنقية خام الحديد أو تصنيع الفولاذ يجب أولاً أن يتم تحويله إلى الكوك -وهو نوع من الفحم المكربن الذي تستخرج منه الشوائب- وأثناء عملية التنقية تتسرب من الفحم سلسلة من المواد المركبة الضارة بالصحة مثل الزئبق وبعض المعادن الأخرى بالإضافة إلى الكبريت وأكسيد النيتروجين. وبينما أدركت الدكتورة "ساهاجوالا" أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لا تتسرب عند استخدام البلاستيك، فقد لاحظت أيضاً أن المواد البلاستيكية تبعث أيضاً بكميات أقل من ثاني أكسيد الكربون الصادرة من كميات مساوية من الفحم، ولا تنتج تلك المواد الضارة بالصحة. وأثناء عملها في المختبر اكتشفت مع فريق البحث الذي تقوده أن مزيجاً من الكوك والبلاستيك بمقادير متساوية يعمل بنفس درجة النجاح التي يعمل بها الكوك في فرن الصهر. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الطريقة لا تحتاج إلى أنواع من البلاستيك يتم تصنيعها خصيصاً لإنتاج الفولاذ. وهي تقول: "دعني أقول إن لدينا كميات مهولة من البلاستيك موزعة في جميع أنحاء العالم". وقد شرعت الآن مع زملائها في البحث عن شريك صناعي لإجراء تجارب تجارية بأحجام كبيرة.
ومن جهة أخرى وفي مجال البحث عن إنتاج "نظيف" للفولاذ فقد شرع أيضاً "دونالد سادوي" أستاذ علوم المواد في معهد "ماساشوسيتس للتكنولوجيا" في "كامبردج" مع زملائه في البحث عن سبل جديدة لسحب الأكسجين من الحديد الخام عبر استخدام الكهرباء. وهي الطريقة المعمول بها أصلاً في إنتاج الألمونيوم من الحديد. وتتم هذه الطريقة بتشغيل تيار كهربائي يعمل على فصل الحديد من الأكسجين، وعبر تحويل الحديد إلى محلول يتم إخضاعه إلى تيار كهربائي، فيتحول إلى سائل قبل أن يتجمع الحديد حول قطب كهربائي بينما يتجمع الأكسجين حول القطب الآخر. وينتج عن هذه العملية غاز واحد هو الأكسجين النقي. وفي ظل رخص التكلفة النسبية لطريقته الكهربائية مقارنة بالطرق التقليدية لتنقية الحديد فقد أدرك الدكتور "سادوي" أن الطريق أصبح ممهداً على المدى القصير للتعامل مع معادن ضرورية أخرى مثل "التيتانيوم" الذي يمر الآن "بمجموعة من العمليات الحرارية