مع تطور الأحداث - في منطقة الخليج خاصة - والمنطقة العربية على وجه العموم، نلاحظ تنازلات ملموسة من الحكومات الى الشعوب، سواء ما جاء على صورة دساتير أو انتخابات مباشرة لمجالس تتعدد أسماؤها وتختلف صلاحياتها، أم ما جاء على شكل وعود ديمقراطية وتحرير المرأة و الإعلان عن بناء دولة المؤسسات القائمة على العدل والحق والجمال وهي قيم الإنسانية·
الأحداث التي تتنامى - ونتوقع أن تنتشر الى بقاع أخرى حيث يعتقد البعض أنها أكثر أمناً على امتداد العالم العربي - ليست سوى نتيجة سوء الفهم بين الحكومات والشعوب، فلقد درجت أنظمة عربية على استخدام القوة و العين الحمراء من أجل بسط سلطانها على الشعب دونما اعتبار لاحتياجات هذا الشعب ولا لمتطلبات التنمية، ودور الإنسان المؤهل في هذا الاتجاه· وصاحب استخدام القوة الفعلية و الاستعراضية زَجُّ الأبرياء في السجون، ممن تُدافع عنهم القوانين الدولية، خصوصاً المطالبين بالعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان· ولعلنا نقرأ في هذا الشهر الفضيل مذكرات من ثقات حول أنظمة عربية بائدة مارست - على حد قول هؤلاء الثقات أصنافاً من الممارسات اللاإنسانية ضد من يخالفهم الرأي، وزج هذا النظام بالآلاف من أبناء الشعب في السجون دون محاكمات·
وابتليت بلدان أخرى بسوء استغلال مقدرات الشعوب!! وتم تهريب أموال الشعوب الى الخارج، وتُركت البلاد ترزح تحت وطأة الديون والأمراض الاجتماعية وسوء التعليم والخدمات الصحية، بالإضافة الى خلق جيل من المتكالبين الذين يمارسون سرقة المال العام على نطاق صغير تيمناً بالذين يمارسونها على نطاق كبير وتحت مرأى الدولة!! هذه الممارسات تخلق الانتهازية و ثقافة السرقة وتبريرها، كما تؤسس الشقاق الوطني، مما يسهل اختراق المجتمع من الخارج، وهذا ما يتم الإعلان عنه - هذه الأيام - على لسان المسؤولين في البلاد التي تعاني عدم الاستقرار·
بلدان أخرى شجعت القبلية والانحياز العائلي، وقسمت المجتمع الواحد الى قبائل و نحل · وأخذ إعلامها يروج هذه الاتجاهات البغيضة التي تتنافى مع المواطنة الحقة وحقوق الإنسان التي وقعت على ميثاقها الدولي كل دول العالم· وساهم ذلك في خلق أمراض اجتماعية كوضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، والمحسوبية، وتوظيف الأقارب، في ذات الوقت إبعاد المؤهلين ممن لم يلتحفوا بعباءة القبيلة، أو لم يلتحقوا بقبيلة تضمن لهم ثقة الدولة وعطاءها·
نموذج آخر ساهم في الشقاق وسوء الفهم بين الدولة والشعوب، وهو التعامل مع الجماعات الدينية، وتوظيفها في أوقات الشدة ·· و تناسيها أيام اليُسر ·· وهذا ما خلق شقاقاً كبيراً آخذاً في الانتشار والتنامي، حيث عوقبت تلك الجماعات بالانكار والتناسي والمحاربة، بعد أن كانت الأنظمة تحتويها وتُغدق عليها·· وتؤمن لها العيش الرغيد، وبعد أن تطورت الأحداث وتغيرت اتجاهات المصالح، نفضت الدولة يدها من تلك الجماعات المساندة ·· فانطلقت تلك الجماعات من قمقمها، وبدأت حركات جهارية ومطالبات علنية بحقوقها، وباجراء إصلاحات دستورية واجتماعية ومالية، تجاوزت حدودها الدينية المسموح بها، وصار أن تطور الوضع إلى ممارسات انتحارية وتخريبية طالت الأبرياء·· ولم تُفّرق بين الأبيض والأسود· اليوم تعاني بعض الدول العربية سوء ما مارست، وقررت وقننت، وبدأت لغة جديدة تحاول من خلالها دعم الوحدة الوطنية والاشادة بالتلاحم ونبذ العنف والجلوس الى طاولة الحوار!!
أكثر من أربعين عاما والمواطنون مغيبون عن الحوار، وبعض الحكومات ترفض أي اتجاه نحو النقد، بل ويتم توجيه الصحف ووسائل الإعلام الأخرى نحو رفض النقد واعتماد المديح نهجا في أغلب ذلك الإعلام المضلل الذي يُعاني اليوم التخلف والبعد عن المهنية، وأخذت الدوائر الحكومية والهيئات والمؤسسات تمارس ممارسات بعيدة عن حقوق الانسان أو خدمة الإنسان، وظل الاهتمام مُكرسا نحو ارضاء الدولة وإن تم ظُلم الشعب!! وتم الترويج للطروحات التي يراها القصر لا تلك التي يرنو إليها رجل الشارع - الذي يقولون عنه في كل مناسبة، إنه عماد التنمية - المحب لوطنه وأهله، والمتسالم والمتسامح مع حكومته، وإن كان مظلوما·
بعد أكثر من أربعين عاما من القطيعة والغياب تحاول بعض الدول الدخول في حلفٍ جديد مع شعبها، وترمي له جزرة الديمقراطية كي يلهب وراء سراب قد يطول انتشاره، وتحاول دول اخرى التهديد القديم بالضرب بالنار بعد أن فلت الزمام واستبدل العنف بالحوار المطلوب قديما، لقد عاش بعض الحكام والحكومات في عزلة من الشعوب، وبعد غزو العراق، ظهرت عين حمرة جديدة في المنطقة، وأخذت بعض الأنظمة تفتح نوافذ القصور، وتأمر بانشاء الجسور مع الشعب؟ ولكن هل هذه الأنظمة جادة فعلا في طروحاتها الديمقراطية، أم أنها تركب الموجة من أجل حرق مزيد من المراحل ورمي القذى في عين الشعب؟ الأيام القادمة سوف ترينا الحقيقة دون حجاب·