امتدح الرئيس بوش تقرير لجنة "روب- سيلبرمان"، بسبب ما احتوى عليه من تحليل لاذع ومتعمق لجوانب" الفشل الاستخباري"، التي اُرتُكبت في إطار التعامل مع دول "محور الشر"، وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية.
وفي الواقع، فإن التقرير يحتوي على العديد من التوصيات المفيدة لتحسين عملية جمع الاستخبارات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، بيد أن المنطق الخاطىء الذي تنطوي عليه خطوة الإدارة الخاصة بتعيين لجنة لدراسة نواحي الفشل الاستخباري، هو أنه ليس هناك شيء يمكن لنا أن نطلق عليه اسم الفشل الاستخباري الخالص، لأن الفشل الاستخباري عادة ما يكون مرتبطا بفشل سياسي.
للتوضيح، دعونا نتناول حالة كوريا الشمالية. في حين أن اللجنة كانت على حق في قيامها بجعل فصول التقرير المتعلقة بالبرنامج النووي لكوريا الشمالية "سرية"، فإن الملخص "غير السري" يشير إلى أن الجواسيس والأقمار الفضائية قد قدموا معلومات ضئيلة للغاية عن جهود "بيونج يانج" النووية. ولكن هل هذا يهم؟ قد يقول قائل إنه لا يهم، لأن كوريا الشمالية اعترفت، بل تباهت في الواقع، بترسانتها النووية المتنامية، ولأن الولايات المتحدة لم تفعل شيئا من أجل إيقافها. وطالما أن الأمر كذلك، فما الفارق الذي كان يمكن أن تحدثه بعض المعلومات الإضافية القليلة المقدمة من قبل الـ"سي. آي. إيه"؟، فعندما لا يكون لديك سياسة، فإن الاستخبارات تصبح لا قيمة لها.. وهو ما يدعو للقول إن البرنامج النووي لكوريا الشمالية يمثل فشلا سياسيا وليس استخباريا.
ما هو أسوأ من ذلك أن الفشل السياسي، أدى إلى فشل استخباري في كوريا الشمالية؟. فخلال الفترة من 1994-2003 كان "البلوتونيم" الكوري موجودا في موقع معين معروف "يونجبايون"، وكأن بإمكان المفتشين الدوليين و"فيهم أميركيون" التفتيش عليه في أي وقت. ولكن عندما قامت كوريا الشمالية بطرد المفتشين، وهددت بنقل "البلوتونيم" لجهة غير معلومة، فإن الولايات المتحدة لم تفعل شيئا. وفيما بعد نفذ الكوريون تهديدهم ونقلوا "البلوتونيم" بعيدا. فهل يستطيع أحد اليوم، أن يأتي ليقول لنا إن عدم معرفتنا بالموقع الذي نقلت إليه كوريا الشمالية "البلوتونيم" يمثل فشلا استخباريا؟!
وإيران، وهي عضو آخر من أعضاء محور الشر تدلل على صحة نفس النقطة. فإيران، على النقيض من كوريا تنكر أن لديها برنامجا نوويا، في حين أن إدارة بوش تؤكد ذلك. ولكن نظرا لأن الإدارة لا تخطط لمهاجمة مواقع إيران النووية، أو تتفاوض معها لإغلاقها، فإنه معرفة كافة التفاصيل الخاصة بتلك المواقع أو عدم معرفتها يصبح أمرا غير ذي أهمية.
والفشل الاستخباري، الذي دعا إلى تكوين لجنة "روب- سيلبرمان" هو بالطبع أسلحة صدام حسين للدمار الشامل المفقودة. ففي هذه الحالة، كانت هناك بالتأكيد سياسة- غزو شامل لبلد- وبالتالي لا يستطيع أحد أن يتهم إدارة بوش بالعجز عن العمل. والغزو الذي قامت به الإدارة، بناء على المعلومات التي كانت متوافرة، أو التي كنا نعتقد أنها متوافرة، كان يبدو في وقته وكأنه قرار صائب. فأسلحة الدمار الشامل موضوع خطير لا يحتمل التجريب أو التردد. ولكن إدارة بوش أوضحت منذ ذلك الوقت، أنها حتى لو كانت تعرف في ذلك الوقت ما نعرفه الآن - أن المعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل الخاصة بصدام حسين كانت عديمة القيمة تقريبا على حد وصف " لجنة روب- سيلبرمان"- فإنها كانت ستغزو العراق، بصرف النظر عن أي شيء، لأن بطش صدام بشعبه، والتداعيات الأوسع نطاقا على الشرق الأوسط التي كانت ستترتب على استمرار حكمه للعراق، كانت تستدعي التخلص من نظامه بأي حال من الأحوال. ولكن يجب إعادة التأكيد هناك أن المعلومات الاستخبارية حول أسلحته لم تكن هي العنصر الحاسم في الغزو.
لذلك يمكن القول إنه في الحالات الثلاث التي درستها اللجنة المذكورة، وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية، فإن الفشل الاستخباري الذي تقوم اللجنة بتعريفه بمنتهى الحرص، وتقدم توصيات من أجل تصحيحه، لم يكن هو العامل الذي أدى إلى نجاح أو فشل السياسة.
تركز توصيات اللجنة على تحسين الاستخبارات المتعلقة بأهداف التكاثر النووي التقليدية أي الدول المارقة التي تمارس ذلك التكاثر. بيد أننا في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، يجب أن نخشى، ليس فقط من وجود الأسلحة النووية في يد الحكومات، ولكن من وقوعها في أيدي الإرهابيين، خصوصا بعد أن أعلن أسامة بن لادن أن "الواجب المقدس" للجهاديين هو الحصول على الأسلحة النووية. لسنا بحاجة بالطبع للقول بأن قيام الإرهابيين بتصنيع قنبلة، سوف يتطلب حصولهم على "يورانيوم" عالي التخصيب،أو"البلوتونيم"، ولكننا نجد أنفسنا ملزمين بالقول إن الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لحماية مثل هذه المواد في مختلف أنحاء العالم، لم تتم بالجدية المطلوبة. ولكي تقاوم الإرهاب الدولي، فإن الولايات المتحدة في حاجة إلى مجموعة من السياسات الفاعلة لمقاومة هذا الإرهاب، كما إنها تحتاج إلى استخبارات ومعلومات لوضع تلك السياسات موضع التنفيذ.