هو مفهوم يعني ببساطة عدم رفض التحدث مع الآخرين باللغة التي يفهمونها حتى لو لم تكن لغتك، الألمان – على سبيل المثال- غير معروف عنهم التسامح اللغوي، فالألماني يرفض التحدث معك بأية لغة كانت إلا الألمانية، وكنت أعاني كلما زرت ألمانيا - التي أعشقها وأعجب بها وبأهلها- من التخاطب بألمانيتي التي تعاني من الكسور والرضوض في كل أجزائها، من الأفعال والأسماء والحروف وحتى الظروف.
ومن الشعوب المعروفة أيضا بالتعصب اللغوي Linguistic Prejudice نصف شعب بلجيكا الذي يتكلم الفلاميش وهي أقرب ما تكون إلى الهولندية. والفلاميش قوم يرفضون الكلام بالفرنسية التي هي اللغة الثانية بالبلاد، لكنهم لا يرفضون الكلام بالإنجليزية مثلا. وفي مقاطعة كوبيك الكندية يرفض المتعصبون لغوياً الكلام بالإنجليزية رغم معرفتهم جميعاً بها وإجادتهم لها.
وخطر ببالي تساؤل حاولت الإجابة عنه: لماذا نمارس التعصب والفوقية والتعالي في ثقافتنا – المعاصرة- ما عدا في الجانب اللغوي؟ فنحن لا نجد حرجا في التحدث مع الآخر بلغته، وخاصة باللغتين الإنجليزية والفرنسية التي يجيدها معظم متعلمينا، وطرح التساؤل سببه أنه قد ظهر بيننا من أشاع العداء مع الآخر، ومن حرم أكل ذبائح الآخر، وعدم مصافحة الآخر، وتحريم تبادل التهاني وإلقاء السلام على الآخر، بل وفتاوى بالجهاد لقتل الآخر، أيا كان هذا الآخر.
سألت صديقي البريطاني المقيم في الكويت، عن مدى تحسن عربيته منذ أن انتقل إلى العيش بيننا، فقال إنها كانت أفضل في بريطانيا مما هي عليه في بلاد العرب أوطاني، فلا أحد يكلمني بالعربية، فالجميع يبادر بالحديث معي بالإنجليزية، الأمر الذي أدى إلى كسل وخمول خلايا مخي اللغوية حتى أكاد أنسى عربيتي تماما.
ربما لم يتغزل قوم بلغتهم مثلما تغزل العرب، بل إن الزمخشري رفض الزواج وتزوج العربية- القضية، وليس القضية- العربية، والفرق بين المقصود بالعربية هنا أن الأولى تعود إلى اللغة والكلام، بينما يقصد بالثانية القضية الفلسطينية، وقد لا يكون الفرق كبيرا بين قضية الزمخشري وقضية فلسطين. فالأول تبنى القضية اللغوية، والفريق الثاني تبنى قضيته لغوياً.
ومن الأسماء الكثيرة التي أطلقها العرب على العربية أنها بنت عدنان دلالا لها، ولا أدري لماذا أسموها بنت عدنان وليس بنت قحطان على اعتبار أن القحطانيين عرب عاربة والعدنانيين عرب مستعربة، ومع هذا فالمتعلم العربي على استعداد للتخلي عن بنت عدنان عند أول لقاء مع الآخر الذي يجيد لغته.
ترى، لماذا نسارع إلى الحديث مع الآخر بلغته؟ ونوفر عليه عناء محاولة الكلام بلغتنا؟ قد تكون "الفشخرة" – أي التباهي- سبباً لذلك، فيسارع الواحد منا إلى الحديث بلغة الآخر ليوصل له رسالة مفادها "أنني متعلم ومثقف" ولست كما تقولون عنا بني يعرب أننا متخلفون وغير متعلمين. إنه الشعور بالنقص ومحاولة دفع هذه المشاعر الدونية لدينا بالحديث بلغة الآخر، وبالذات الخواجا الأكثر تطورا منا، وكأن لسان حالنا يقول: شايف يا خواجا، نحن أحسن منك وأكثر تطورا، نجيد لغتك، ولا تجيد لغتنا.
وقد يكون سبب لجوئنا إلى الحديث بلغة الآخر شعور بأن لغتنا لا يمكن أن يفهمها إلا نحن بني يعرب، وبالذات المسلمون منا. فالعربية مرتبطة بلغة القرآن الكريم، ومن ثمّ فمن ليس بمسلم لن يفهم لغتنا مهما أجادها وتمكن منها، على الرغم من أن المسيحيين العرب أقحاح في عربيتهم وعروبتهم، ولكن هذا يتم تجاوزه وتناسيه في زمن اختطاف الثقافة العربية من قبل فكر التطرف والإرهاب.
أو ربما يعود سبب لجوئنا إلى لغة الآخر - وبالذات الغربي- للتعبير عن شعورنا بالعجز والقهر، وانعكاسا لشعور في عقلنا الباطن بأن مشكلتنا مع الآخر أنه لا يفهم مفادنا ونوايانا ولغتنا، فعلينا إذن اللجوء إلى اللغة التي يفهمها- أي لغته هو- لعل وعسى. تسامحنا اللغوي الباهر، يتعارض تماما مع ثقافة اللاتسامح التي يمارسها بعضنا مع الآخر، وهي مسألة جديرة بالتمعن والدرس.