لطالما عرف المؤلف "آدم هوشسشيلد" بأنه أحد أكبر المهمومين بانتهاكات حقوق الإنسان، وها هو يعود مرة أخرى في كتابه الذي نعرض له اليوم بعنوان "دفن السلاسل" لكي يحكي لنا إحدى أقدم القصص وأكثرها نجاحاً في بواكير الجهود الناشطة لإرساء حقوق الإنسان.
فقبل مائتي عام من الآن كان ثلاثة أرباع سكان العالم يرزحون تحت نوع من أنواع العبودية والسخرة والاسترقاق. حيث كان البيض يتاجرون في كمية قوامها ثمانون ألفاً من العبيد سنوياً بعد أن يتم جلبهم من أدغال أفريقيا إلى مرافئ العالم الجديد. وكان معظم المستفيدين من هذه التجارة المخزية هم ملاك السفن وتجار الرقيق ومصدرو السكر ومصنعو الشكولاتة، بالإضافة إلى ملاك المزارع الذين درجوا على تسخير هؤلاء العبيد التعساء. ومضى الكاتب يصف لنا كيف أن مجموعة صغيرة من الرجال (بينهم امرأة واحدة) قد تمكنت في غضون سنوات قليلة في نهاية القرن الثامن عشر من تحدي المصالح المكتسبة والأكثر رسوخاً في مفاهيم الدولة والكنيسة وسائر الأعمال التجارية قبل أن تتمكن من تحقيق الفوز في النهاية.
وتحديداً في مايو من عام 1787 تجمع "دستة" من الرجال أمام إحدى دور الطباعة في لندن، جلهم من التابعين لمجموعة "الكويكرز" المسيحية التي حملت لواء معارضة الرق آنذاك من أجل السعي إلى تحقيق هدف كان يعتبر من رابع المستحيلات وهو إيقاف ممارسة الرق في أكبر إمبراطورية على وجه الأرض. وعلى طول الطريق الذي سلكوه منذ تلك اللحظة التاريخية عمد أولئك الرواد إلى انتهاج أساليب اتسمت بالغرابة في ذلك الوقت ولكنها استمرت فاعلة إلى وقتنا هذا، مثل استثارة العامة ونشر الملصقات وحشد جموع النشطاء وحمل اللافتات وابتعاث كميات هائلة من الرسائل البريدية التي تحرض على المقاطعة والعصيان. وكانت هذه النخبة العبقرية من النشطاء قد تسلحت بالكراهية المطلقة للظلم والاستعباد مع مجموعة من المبادرات والمهارات التي ينطبق عليها وصف (السهل الممتنع) نسبة لما انطوت عليه من إبداع وحداثة آنذاك. بل إن هذه الحملة بعد خمس سنوات من النضال المستمر أدت إلى دخول أكثر من 300 ألف مواطن بريطاني في إضراب مفتوح عن تناول السكر وهو المنتج الرئيسي الذي كان يزرعه ويحصده العبيد، حتى اضطر مجلس العموم البريطاني في نهاية الأمر إلى إجازة قانون يحرم تجارة الرق. وعلى الرغم من أن مجلس اللوردات الذي يهيمن عليه النواب الأكثر نفوذاً من المؤيدين لممارسات الرق قد رفض أن يوافق على مشروع القانون، إلا أن الحملة رفضت أن تموت واستمرت تؤججها شخصيات نضالية مرموقة كتبت أسماءها بأحرف من نور على صفحات التاريخ من أمثال "ويليام ويلبرفورس" العضو البرلماني الوحيد الذي آثر الانضمام إلى حركة دعاة إزالة الرق. وهناك "أولوداه أيكويانو" أحد العبيد السابقين المتميزين الذي نذر نفسه للترويج للقضية وهو يجوب سائر الجزر البريطانية. ومعهم "جون نيوتون" أحد قباطنة السفن التي كانت تنقل الأرقاء والذي عمد أثناء الحملة إلى تأليف كتاب تحت عنوان "العار المذهل"، وبمعيتهم أيضاً "جرانفيل شارب" أحد عباقرة الموسيقى في عصره والعصامي الذي اختار أن يعلم نفسه مهنة المحاماة حتى يتمكن من مقارعة معارضيه. ويأتي في صدارة القائمة "ثوماس كلاركسون" الذي تمتع بقدرات تنظيمية فائقة وآثر أن يتجول على ظهر حصانه في الأراضي البريطانية من أقصاها إلى أقصاها مكرساً حياته للدعوة إلى القضية. وهو الوحيد الذي كتب له أن يعيش إلى أن بلغ السادسة والثمانين من عمره بحيث تسنى له أن يشهد حلم رفقائه وهو يتحقق على أرض الواقع.
إن أكثر ما يثير الإعجاب والدهشة في هذا الكتاب ذلك الاستعراض الثري لتلك الشخصيات التي ابتدعت هذه الحملة بالإضافة إلى تصوير الفظائع الأليمة التي كانت تنطوي عليها تجارة العبيد. لقد كانت حياة هؤلاء الأرقاء قصيرة وقاسية، إذ كانوا يواجهون خطر الموت أثناء عمليات المطاردة والأسر ويموتون أيضاً وهم داخل العنابر المأساوية للسفن العابرة للمحيطات قبل أن يعانوا من فظائع التعذيب والضرب وهم يمارسون أعمال قطع وحصاد أشجار السكر. لذا فإن هذه الحملة العبقرية التي قادتها نخبة من الأفذاذ "لم تكن مجرد حركة اجتماعية وإنما ثورة غير مسبوقة في وقت كانت فيه إزالة الرق في القرن الثامن عشر أشبه ما تكون بالدعوة للتخلي عن السيارة الشخصية في عالم اليوم". ويمضي الكاتب يتطرق إلى كيف أن هذه الحملة المبتكرة من خلال ما تضمنته من حماس لا يفتر وتنظيم إبداعي، تمكنت أخيراً من إجبار البرلمان على سماع صرخات المعذبين من العبيد والخضوع إلى إرادة الشعب البريطاني في عام 1833 قبل وقت طويل جداً من إبطال مفعولها في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من هذه "الصحوة المتأخرة" للنخبة إلا أنها كانت لا تزال تعتبر مزارع السكر في جزر الكاريبي جزءاً حيوياً من الاقتصاد البريطاني. وعندما وافق البرلمان في نهاية المطاف على حظر تجارة العبيد نهائياً في عام 1833 سارعت السلطات إلى بذل تعويضات سخية لأصحاب هذه المزارع مقابل خسارتهم لـ