عندما انطلقت الانتفاضة لأول مرة في سنة 1987 بالأراضي الفلسطينية المحتلة شكلت شرارة لإعلان نشأة حركة مقاومة جديدة تحت اسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بزعامة مؤسسها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، لتنضاف إلى حركات المقاومة الفلسطينية التي سبقتها كحركة "فتح" و"الجبهة الشعبية" و"الجبهة الديمقراطية" التي كانت مستلمة لواء المقاومة آنذاك، إلا أنه سرعان ما أثبتت تلك الحركة وجودها بسبب اختلافها عن الحركات الأخرى كونها متواجدة على الساحة الداخلية، ولديها برنامج يشمل إضافة إلى مقاومة المحتل أهدافا أخرى كإنشاء صناديق المساعدات الاجتماعية وتقديم العون اللازم للمحتاجين وخاصة ذوي الشهداء الذين يسقطون في أرض المعركة برصاص الجيش الإسرائيلي، وإن كنت أزعم أن تلك الشعبية العارمة هي التي دفعت إسرائيل إلى إجراء مفاوضات سرية مع حركة "فتح" بمباركة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خوفا من أن تزداد شعبية "حماس" أكثر فأكثر داخل الشارع الفلسطيني. وقد وجدت من حركة فتح تجاوباً لأنها هي أيضا أحست بالخطر نفسه، مما أسفر عن مولود مشوه للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية اسمه اتفاقيات أوسلو، إلا أن غياب ياسر عرفات برمزيته أعاد الوضع إلى ما كان يخشاه الطرفان، فأعادت "حماس" تنظيم صفوفها لتشكل لها قاعدة قوية أهلتها للفوز بأغلب المقاعد في المجالس البلدية بقطاع غزة، كون أعضاء حركتها ومرشحيها فوق الشبهات كما جاء على لسان مصطفى البرغوثي في معرض تعليقه على تلك الانتخابات.
هذا كله شجع "حماس" على الإعلان عن نيتها المشاركة في الانتخابات التشريعية بناء على ثقتها الكاملة في حصد أكثرية المقاعد النيابية، وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي أولا تقطع الطريق على المشككين في قوتها الشعبية وتتحصن من خلالهم ضد أية ضغوط داخلية أو خارجية، وثانياً، تُثبت للعالم أنها مع الديمقراطية، دون التخلي عن مبادئها التي قامت عليها بما فيها حق مقاومة المحتل. وضمن هذا الإطار، فإن مشاركة "حماس" في حوار الفصائل بالقاهرة وموافقتها على تثبيت الهدنة كان دهاء سياسياً ينم عن حنكة وعمق تفكير، وذلك إدراكاً منها بأن الإسرائيليين لن يلتزموا بتلك الهدنة، وفي الوقت نفسه حتى لا توصف بأنها حجر عثرة في طريق الاتفاق الداخلي الفلسطيني.
بتار ولد محمد المختار - موريتانيا