النموذج التركي لمواجهة كورونا لا يختلف كثيراً عن النموذج الذي أصبح بؤرةً كبيرةً لتصدير كورونا للمنطقة والعالم، فالغارقون في الأيديولوجيا لا يحسنون مواجهة الواقع.
تأخرت تركيا كثيراً في الإقرار بتفشي فيروس كورونا في مدنها وأريافها، ولم تستطع أن تستوعب أن التأخر في الاعتراف بالمشكلة يجعلها تكبر وتزداد خطراً في كل يومٍ، ثم وجدت نفسها في خضم أزمةٍ كبرى، إثر التفشي المرعب الذي حدث هناك، فأقرت متأخرةً وبدأت الأرقام تتحدث عن أرقامٍ خطيرةٍ وتفشٍ واسعٍ للوباء.
استجابة لدعوة الأمم المتحدة، وبرغبةٍ صادقةٍ في البحث عن حلولٍ سياسيةٍ فاعلةٍ، ودعماً للشعب اليمني، ومراعاةً لظروف انتشار الوباء، أعلن «التحالف العربي» في اليمن إيقافاً تاماً لإطلاق النار، وهو ما رحبت به الأمم المتحدة وغالبية دول العالم، وثمنوا هذا الموقف الإنساني المسؤول عالياً، وإن لم يلتزم الحوثي بعد.
بالمقابل، هل أوقفت تركيا تدخلاتها العسكرية في الدول العربية، مراعاةً لهذا الظرف الاستثنائي، وهذا الانتشار السريع لفيروس كورونا؟ هل راعت الخطر الداهم على حياة الناس في هذه الدول؟ الواقع يشهد بأن صانع القرار التركي الذي لم يكترث بتفشي الوباء داخل بلاده، لا يعنيه على الإطلاق ما يجري في الدول التي يحتلّ أجزاء منها، ويكفي استحضار سياسات تركيا في بلدين عربيين هما سوريا وليبيا.
في سوريا، لم تزل تركيا ترسل أرتالاً من الجيش التركي، تعبر الحدود تباعاً دون توقفٍ، ولم تزل تهمل المواطنين السوريين في المناطق التي تسيطر عليها دون رعايةٍ طبيةٍ أو صحيةٍ من أي نوعٍ، وتكتفي بدعم الجماعات الإرهابية الموالية لها هناك، وهي تعمل مع المرتزقة المنتمين لهذه الجماعات على نقلهم إلى ليبيا لخدمة المصالح التركية وخدمة الجماعات الأصولية والإرهابية التابعة لحكومة السراج، والتي تسيطر على طرابلس، وتعاني تحت ضغط الجيش الليبي والشعب الليبي.
لم تزل تركيا تتبع كل الوسائل والطرق لإبقاء الحرب مشتعلة في ليبيا، ولا يعنيها على الإطلاق أن ترسل مساعدات طبية، أو توفر بيئة لمواجهة فيروس كورونا في ليبيا، وحماية الشعب الليبي منه ومن شروره، بل ترى في الأمر فرصةً لتحقيق مكاسب على الأرض ضد الجيش والشعب الليبي، ولم يذكر التاريخ محتلاً عُني بصحة الشعوب التي يحتلها أو بمصالحها، وتركيا في ليبيا بلدٌ محتلٌ وغازٍ بكل المقاييس.
يرى صانع القرار التركي، أنه لم يزل يستفيد من حلب المليارات من دولةٍ عربيةٍ صغيرةٍ ذات ميزانية عاليةٍ، ولو أوقف هذه الحروب لانقطعت الأموال التي يستفيد منها، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الممتدة في تركيا، وبالتالي فهو يراعي مصالحه داخلياً وخارجياً.
التفتيش عن الدعم المادي جعل من الجيش التركي جيشاً يعتمد على المرتزقة تحركه الأموال الخارجية، وهو في نفس الوقت يجنّد مرتزقة الإرهاب، الذين غُرر ببعضهم لـ«رفع راية الإسلام»، ثم تحول إلى رفع راية الأتراك لحفنةٍ من الأموال.
صانع القرار التركي يدفعه لهذه السياسة الأموال، التي تأتيه من الدولة المذكورة أعلاه، ويدفعه -كذلك- الأيديولوجيا الأصولية «الإخوانية» التي يؤمن بها، وحلم استعادة الخلافة العثمانية على الدول العربية، ولا شيء يدمّر الدول مثل الأوهام التي تعشعش في رؤوس قياداتها.
عادت وكالة الأناضول للأنباء لنشر مواقف معادية للسعودية بشكل فجٍ في انحيازه، أخيراً، فلقد كان الأفضل لصانع القرار التركي، أن يعود للاهتمام بصحة شعبه ومواجهة فيروس كورونا، بدلاً من الإصرار على استهداف الدول العربية وشعوبها.
*كاتب سعودي