في الاجتماع الأخير للمجلس الأوروبي الذي انعقد يوم 17 أكتوبر الماضي، حدث أمر، يمكننا أن نصفه، بضمير مرتاح، بأنه أمر غير عادي· لقد تحدث الرئيس الفرنسي جاك شيراك باسم، ألمانيا· فقد اضطر المستشار الألماني جيرهارد شرودر إلى الالتحاق ببرلين لحضور تصويت حاسم أمام البرلمان الألماني على برنامج حكومي للإصلاح· وقد جاء حديث شيراك باسمه ليقدم دليلاً آخر قوياً على أن التنسيق الفرنسي-الألماني بلغ درجة تسمح بأن تحل باريس محل برلين في قمة أوروبية بهذه الأهمية· إنه حدث استثنائي في دلالته السياسية، ما في ذلك شك، ولكنه لا يأتي من فراغ، بل إنه يجد معناه في سياق التضامن والتعاون بين الطرفين الذي بلغ شأواً كبيراً، وقد عكست مواقف الطرفين من حرب العراق ذلك بدرجة لا مزيد عليها·
إن فرنسا وألمانيا هما من يقف أصلاً كقوة دفع حقيقية وراء تأسيس وبناء الاتحاد الأوروبي· ولكن هذا الاتحاد أيضاً، للتاريخ، يعود إليه الفضل في وضع حد للعداوات الألمانية الفرنسية، إذ كما نعلم جميعاً، ظل هذان البلدان اللذان نرى درجة تقاربهما الآن، عدوين لدودين تتملكهما أحقاد موروثة عبر الأجيال، وظل ذلك هو الحال حتى عهد تاريخه الآن ستون سنة خلت، لا غير·
فمنذ شارل كينت والملك فرانسوا الأول، خاضت ألمانيا وفرنسا ما مجمله ثلاثاً وعشرين حرباً، بالتمام والكمال، تسعة عشرة منها وقعت داخل الأراضي الألمانية تحديداً، والأربع حروب الأخيرة وقعت على الأراضي الفرنسية·
لقد أدت حرب الثلاثين عاماً، التي شهدت فورة النشاط الفرنسي، إلى وضعية من فرض حالة الاستقرار في أوروبا، توجت بتوقيع اتفاقية ويستفاليا (1648)، كما حالت دون جميع المساعي الألمانية للوحدة وتحويل الاقطاعيات المتناثرة إلى دولة أمة ألمانية واحدة·
لقد كان الخط الأكثر ثباتاً في السياسة الخارجية الفرنسية منذ أيام ريشيليو هو ضرورة التفاني في العمل على الحيلولة دون قيام أية وحدة ألمانية· ولذا لم تتحقق تلك الوحدة سوى سنة 1871 بعد هزيمة نابليون الثالث· وهي هزيمة عدت بحق إذلالاً وتمريغاً حقيقياً لكبرياء فرنسا· ولم تقتصر خسارات باريس على مهانة الهزيمة، وفقدان منطقتي الألزاس واللورين فقط، بل الأدهى من ذلك كله أن فرنسا منيت بالهزيمة، هذه المرة، ليس على يد تحالف من الدول، وإنما لأول مرة، على يد دولة واحدة فقط· ومنذ ذلك التاريخ استعرت نار العداوة والأحقاد الألمانية الفرنسية، راسمة بخطوطها الدموية تاريخ القارة الأوروبية بكاملها، لتتوج بحربين عالميتين مدمرتين تفوقان كل وصف، الأولى من 1914 حتى ،1918 والثانية من 1939 إلى ·1945
ومنذ سنة 1945 اقتنع الفرنسيون والألمان أن المصالحة النهائية لا بديل عنها، لتجنيب أوروبا اندلاع حرب جديدة، ستعني هذه المرة إفناءها عن بكرة أبيها· ولم يكن التهديد السوفييتي الماحق أيضاً بعيداً عن تفكير الطرفين بل كان عامل دفع إضافياً للتقارب في وجه مخاطره·
وهكذا سارت قاطرة التعاون الألماني الفرنسي بثقة وسهر على تنميتها قادة البلدين واحداً بعد الآخر· وهنا يتحدث البعض عن ثنائي فرنسي-ألماني من القادة ظل يعمل معاً، حتى غدت مسيرة عربة التعاون، إن جاز التشبيه، من ذلك القبيل من العربات التي يجرها حصانان دائماً· وهنا يمكن أن نتحدث عن الثنائي أديناور -ديغول وشميت-جيسكار ديستان، وكول-ميتران، واليوم شيراك-شرودر·
لقد وقع البلدان في سنة 1963 اتفاقية الأليزيه التي رسخت الاجتماع الدوري المنتظم بين الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني الغربي، وبين وزراء الخارجية والدفاع من كلا الطرفين· وفي سنة 1988 تم تأسيس مجلس للدفاع بين البلدين، كان من شأنه أن يؤدي إلى تشكيل قوة مسلحة مشتركة· ولكن ألمانيا التي كانت وقتها ما زالت تحت رعب الخطر السوفييتي رأت وقتها أنها ما زالت في حاجة إلى الحماية الأميركية، لأنها بالنسبة لها كانت مسألة حياة أو موت· ولذلك كانت، في حالة أي اختلاف بين باريس وواشنطن، تسارع إلى الاصطفاف وراء الموقف الأميركي دون مواربة·
ولكن سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، أعطيا ألمانيا هامش تحرر وفاعلية في المواقف أكبر بكثير مما كان لديها سابقاً· وقد عبرت إرادة الاندفاع الألمانية للتحرر من القبضة الأميركية عن نفسها، ليس من خلال السعي إلى مطامح سيادة ألمانية على الآخرين، وإنما جاءت خاصة من خلال الدفع بكل ثقلها وراء إنجاح المشروع الأوروبي· ويكفي للدلالة على ذلك أن الألمان تخلوا عن المارك عملتهم الأثيرة إلى أنفسهم، واستبدلوها بـ اليورو · ومن يعرف مدى تعلقهم بـ المارك يقدر دون شك حجم التضحية·
إن كل هذا يغدو مفهوماً، إذا وضعنا في حسباننا أن ألمانيا لم تعد مرتهنة لإرادة واشنطن· والتي من دونها، ما كان للعلاقات الفرنسية الألمانية أن تصل إلى هذه الدرجة·
والدرس الذي يمكن استنتاجه أخيراً، استخلاصاً من الحالة الألمانية الفرنسية الآن، هو أن العداء بين الأمم مهما كانت أسبابه وجذوره، يمكن تجاوزه، متى ما توافرت إرادة صادقة لوضع حد نهائي له· وهكذا نرى كيف انت