صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

المجال القضائي في زمن الأوبئة


هل الإمارات جاهزة لتطبيقات العمل عن بُعد في المجال القضائي، كما يحدث في المجال التعليمي، كإحدى الوسائل الوقائية ضد فيروس «كورونا» الذي ينتشر بسرعة في أرجاء العالم حتى صنّف كوباء عالمي؟
يختلف المجال القضائي عن غيره من المجالات في أنه المعني بتكريس العدالة، وحماية حقوق وحريات الأفراد، والفصل في المنازعات التي تنشأ نتيجة العلاقات بين سائر أفراد المجتمع ومؤسساته وأجهزة الدولة، ومرجع القضاء في كل ذلك هو القوانين النافذة.
وحيث إن القوانين هي الأداة التي يرسي القضاء بواسطتها العدالة، فلا يمكن للقضاء تطبيق قانون إلا بعد أن ينشر رسمياً، وتمضي فترة محددة على النشر، إذ لا يجوز الإلزام بقانون إلا بعد عِلم المخاطبين به بصدوره ونفاذه.
وفضلاً عن النشر والإعلام، ثمة مرحلة لسنّ القانون، والتي تبدأ باقتراحه من الجهة المعنية، وصياغته، ومناقشته، وعرضه، مع ما قد يصاحب هذا كله من تعديلات وإضافات، حتى يُقر أخيراً ويصادق ويوقع عليه، ثم يصدر وينشر.
فإذا وضعنا في الاعتبار الوقت الطويل الذي يستغرقه أي قانون ليكون نافذاً وملزماً، فإننا نتعرف على طبيعة المجال القضائي من حيث إنه لا يستجيب للظروف الطارئة والمستعجلة، من حيث إنه لا يمكن سنّ قانون في يوم واحد، والإلزام به في اليوم التالي، لأن هناك ظرفاً حدث فجأة.
فلا يحق للنيابة العامة مثلاً إجراء تحقيق مع متهم عن بُعد من خلال دائرة تلفزيونية إلكترونية مغلقة، ومن دون الحاجة إلى مثوله شخصياً أمام وكيل النيابة، كإجراء عاجل يتخذ فوراً بناء على وضع طارئ، ما لم يكن ثمة قانون ينظم هذا الأمر.
ولا يجوز للمحكمة مثلاً أن تحكم على مدان في جريمة بالمراقبة الإلكترونية كبديل عن عقوبة الحبس، أي بإلزامه بحمل جهاز إرسال إلكتروني قابل للتتبع، وتنفيذ مدة المراقبة المحكوم بها وهو في محل إقامته، وذلك بهدف التقليل من أعداد المحبوسين في المؤسسات العقابية، كإجراء احترازي ضد عدوى معينة، ما لم يكن ثمة قانون ينظم هذا الشأن.
ولا يترتب أي أثر قانوني على إعلان المدعي للمدعى عليه عبر البريد الإلكتروني، كبديل عن الإعلان بالطرق التقليدية من حيث التوجه إلى مقر المعلن إليه وتسليمه الإعلان يداً بيد، من دون وجود قانون يرتب هذا الأثر، ويَعتبر الإعلان بالوسيلة الإلكترونية منتجاً لآثاره.
ولو أجريت محاكمة عبر تقنية الاتصال عن بُعد، لغايات تقليل الاحتكاك بين البشر بسبب ظرف من الظروف، فإن هذه المحاكمة تكون باطلة ما لم يكن هناك يجيز هكذا محاكمات. ويعتبر المستند الإلكتروني الذي يتضمن الحكم باطلاً ما لم يكن هناك قانون يعتد بالمستندات الإلكترونية.
ما يحسب للمُشرع الإماراتي أنه عمل مبكراً على خلق بيئة قانونية إلكترونية، ففضلاً عما توفره هذه البيئة من سرعة وسهولة في الإنجاز، ونمو وتوسع في الأعمال، وتوفير كبير في الجهد والنفقات، فإنها في مثل هذه الأوقات الصعبة والطارئة تعمل على انسيابية العمل القضائي وعدم توقفه وتحقيق العدالة تحت كافة الظروف، فكل الأمثلة السابقة صدرت بها قوانين تنظمها، ويمكن تطبيقها في أي وقت بمجرد توصيل الأسلاك وتشغيل الأجهزة.

*كاتب إماراتي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟