صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

تمرد «طالبان».. الضحايا مدنيون دائماً

أعلنت الحكومة الأفغانية أنها حققت مكاسب في الاستحواذ على أراض في إقليم غزني على مدار العام الماضي في واحد من أكثر أقاليم أفغانستان افتقاراً للأمن، مستعيدةً السيطرة على ثلاث مناطق قاتلت عليها قوات حركة «طالبان» لسنوات. لكن بالنسبة لكثيرين من المدنيين في الإقليم، قلبت الانتصارات العسكرية حياتهم رأساً على عقب وجلبت لهم الاشتباكات المستمرة. فقد حول مقاتلو الحركة قلعة قديمة على الطريق الرئيسي في قرية «ساي قولا» الصغيرة إلى نقطة تفتيش، حيث يمنعون خروج النساء بغير مرافق من الذكور، ويهاجمون قوات الحكومة الأفغانية القريبة. وذكر سكان أنهم كانوا يجدون طريقة للتكيف مع الحياة رغم القيود في ظل حكم المتمردين.
وذكر محمد نسيم (30 عاماً)، وهو معلم في قرية «جغتو» بإقليم غزني، أنه على مدار شهور سمح مقاتلو «طالبان» لامرأته التي كانت حاملا في ذلك الوقت بالسفر مع مرافق من الرجال إلى مستشفى في بلدة غزني التي تسيطر عليها الحكومة لإجراء فحوصات. لكن حين بدأت القوات الأفغانية تتقدم لاستعادة السيطرة على الأراضي في سبتمبر الماضي، أصبح يستحيل المرور على الطريق. وجاء المخاض للزوجة في أكتوبر بينما بلغت عمليات استعادة السيطرة على قريتها الذروة، فأُجبرت على وضع وليدها في المنزل، لتلفظ أنفاسها الأخيرة بعيد الولادة بوقت قليل. وقال نسيم: «لم نستطع الوصول إلى مستشفى».
وتزايد تعرض المدنيين في أفغانستان للوقوع ضحايا في غمرة تغير خطوط المواجهة. وقُتل أكثر من 2500 شخص وأصيب نحو 5600 في أول تسعة أشهر من عام 2019، وفقاً لأحدث تقرير للأمم المتحدة، مما يجعل العام الماضي أكثر الأعوام التي تم تسجيلها دمويةً للمدنيين. وصنف تقرير الأمم المتحدة غزني باعتباره رابع أخطر إقليم للمدنيين. وذكرت وزارة الدفاع الأفغانية أن قواتها استعادت السيطرة العام الماضي على 10 مناطق كانت تستولي عليها طالبان وأربع مناطق كانت تقاتل عليها. وتدور الهجمات العسكرية واسعة النطاق مع اكتساب المحادثات بين الولايات المتحدة و«طالبان» زخماً ومع سعي كلا الجانبين لاستغلال المكاسب الميدانية لتعزيز موقفه على طاولة المفاوضات.
وذكر تقرير منظمة مراقبة حكومية في يناير 2019 أن «طالبان» تسيطر أو تقاتل على قرابة نصف أقاليم أفغانستان. وأشاد مسؤولون أميركيون وأفغان بالانتصارات على الأرض باعتبارها وسيلة لتغيير قواعد اللعبة، كما توضح تحسن قدراتهم. لكن مسؤولين محليين وجماعات من حقوق الإنسان حذّروا من أن الحملات العسكرية المحتدمة تجعل حياة المدنيين أسوأ. وأشاد اللفتنانت كولونيل توريالاي هادي، قائد القوات العسكرية الأفغانية في غزني، بالسيطرة على المناطق التي تمت استعادتها لأنها توفر لقواته السيطرة على الطرق السريعة الحيوية التي تربط غزني بباقي البلاد. لكنه أقر بأن الطرق السريعة مازال يتعين تطهيرها من القنابل التي يزرعها مقاتلو «طالبان» على جنباتها كل صباح.
وأثناء رحلة في منطقة جغتو بإقليم غزني، في نوفمبر الماضي، لنقل مساعدات، مرت قافلة تقل رئيس بلدية مدينة غزني وعشرات المسؤولين العسكريين والحكوميين بحطام محترق لسيارة صغيرة، دمَّرها لغم زُرع على جانب الطريق قبل ساعات فحسب. وأصاب التفجير شخصين بجروح وقتل آخرين. ومع توافر فريق هندسة واحد لتطهير الطريق، استغرق وصول القوات الأفغانية إلى الموقع ونقل الجرحى إلى للعلاج، عدة ساعات. وذكر وحيد الله كليم زاي، حاكم إقليم غزني، أن إطلاق بالون استطلاع في الآونة الأخيرة ساعد القوات الأفغانية في معرفة المواقع التي زرع فيها مقاتلو «طالبان» المتفجرات، لكن «البالون لا يستطيع رصد كل مكان». وأكد كليم زاي الافتقار إلى «القوات للسيطرة على الأراضي».
وذكر مسؤولون أفغان في غزني أنهم سيتمكنون من الاحتفاظ بسيطرتهم على الأراضي بسبب الطريقة التي أعيد بها تنظيم قواتهم، حيث تم دمج المواقع الصغيرة في نقاط تفتيش أكبر مما يسهل الدفاع عنها. وأحد هذه المواقع، وهو «باكاوال» الواقع على مسافة خمسة أميال فقط شمالي غرب مدينة غزني، والذي أقيم في سبتمبر بعد انتزاع السيطرة على المنطقة المحيطة من «طالبان».
ووصف الميجور نياز محمد شيرزاد، وهو في أحد مواقع الحراسة، واجباته بأنها «الانتظار فحسب لهجمات العدو». وأشار هادي، قائد القوات العسكرية الأفغانية في غزني، إلى تجمع من المنازل المبنية بالطوب وسط الأشجار على مبعدة مئات الياردات من القاعدة قبالة حقل مفتوح، وقال إن مقاتلي «طالبان» يسيرون ليلا عبر هذه القرى وأحياناً يزرعون قنابل على جانب الطريق و«في أوقات أخرى يشنون هجمات على هذه القاعدة».
وعلى مبعدة عشرة أميال فحسب في معسكر «سلطان»، وهو القاعدة العسكرية الرئيسية في الإقليم، ذكر الكابتن حافظ باخمان، من الجيش الأفغاني، أنه يتلقى نداءات للإمداد بالسلاح كل ليلة. وذكر قائد فرقة المدفعية أن قواته تطلق 80 قذيفة في الأسبوع في المتوسط، وفي بعض الأسابيع قد تصل القذائف إلى 200. وأثناء زيارة في الآونة الأخيرة، كان باخمان وفريقه يطلقون النار على أهداف لـ«طالبان» في منطقة «شاباز» غربي القاعدة. وكان باخمان مصراً في البداية على دقة تصويب أسلحته، لكن مع اشتداد الاشتباكات أقر بأن استخدام المدفعية في مناطق مأهولة بالسكان ربما يوقع ضحايا من المدنيين. لكنه لا يرى مفراً من هذا لمكافحة «طالبان».
ويعتقد أبو رؤوف، وهو مزارع (62 عاماً)، أن سكان قرية «ساي قولا» يشعرون بأنهم «أكثر أماناً قليلا» منذ أن تقدمت القوات الحكومية وتراجعت الاشتباكات الكثيفة مع «طالبان». ونهاراً، يستطيع المزارعون من أمثال أبو رؤوف العمل في حقولهم ويستطيع الأطفال اللعب في الخارج. لكنه يؤكد أنهم مازالوا يسمعون أصوات طلقات الرصاص والانفجارات كل يوم بعد غروب الشمس. ومضى يقول إن القوات الحكومية «استعادت السيطرة على القرية، لكن القتال لم ينته».
سوزانا جورج
رئيسة مكتب «واشنطن بوست» في أفغانستان وباكستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟