صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

البحراوي.. رحلة العطاء العلمي



فقدت مصر والوطن العربي العالم الجليل الأستاذ الدكتور إبراهيم البحراوي بعد أن امتد عطاؤه لعشرات السنين في مصر والوطن العربي، وقد مكّنه تخصصه في اللغة العبرية وأدبها من أن يتغلغل في دراسة أعماق المجتمع الإسرائيلي ونظامه السياسي ليقدم لمحيطه المصري والعربي خدمة جليلة تتمثل في وضع الأسس لنهج علمي في التعامل مع الكيان الإسرائيلي الذي كان مستحيلاً إدارة العلاقات معه حرباً أو سلماً دون معرفة علمية بأدق تفاصيله بعد أن دفعت مصر والوطن العربي ثمناً فادحاً للجهل بهذا الكيان، وينتمي كاتب هذه السطور لجيل صُورت له إسرائيل باعتبارها كياناً هشاً يسهل القضاء عليه فحدث الخلط الخطير بين عدم مشروعية اغتصاب الحقوق الفلسطينية وبين تقييم الكيان الذي اغتصبها، ولقد حصل إبراهيم البحراوي على درجته الجامعية الأولى عام 1964 أي أنه ينتمي إلى ذات الجيل الذي كانت صورته عن قدرات إسرائيل بالغة التشويش، وقد ساهم بدراساته التي انتقلت من النطاق الجزئي للغة والأدب العبري على أهميته إلى النطاق الأرحب لدراسة المجتمع الإسرائيلي ونظامه السياسي واستراتيجيته العسكرية في تقديم خدمات جليلة لوطنه وأمته كانا في أمسّ الحاجة إليها سواء في إدارة الصراع العسكري أو المفاوضات مع إسرائيل، وفي أدائه هذه المهمة الحيوية لأمن وطنه وأمته استطاع دوماً أن يجمع بين أن يكون المرء مصرياً مفرط الوطنية وعربياً مؤمناً بحقوق أمته وأن يكون باحثاً علمياً عنوانه الوحيد هو تحري الموضوعية أياً كانت، وهي مهمة يعلم كل من كابد مشقة البحث العلمي كم هي عسيرة، بل ومستحيلة أحياناً لكن فقيدنا الكريم أبلى فيها دائماً أحسن البلاء.
لا شك عندي في أن نشأة إبراهيم البحراوي في مدينة بور سعيد الباسلة قد ساهمت مساهمة أساسية في تشكيل وعيه الوطني والقومي، فعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر في 1956 كان قد بلغ من العمر 12 سنة ومعلوم الدور العظيم الذي لعبته مدينته في مقاومة هذا العدوان ومعلوم كذلك كيف امتزج الوطن العربي آنذاك من محيطه إلى خليجه مع مصر في معركتها وكيف ساندها بكل السبل حتى نجحت هذه السبيكة الفريدة من المقاومة المصرية والدعم العربي في دحر العدوان. وفي حواراتي مع الراحل العزيز كان يركز كثيراً على ذكريات هذه المعركة التاريخية الممتدة التي قيّض الله له لاحقاً أن يساهم فيها مساهمة بالغة الأهمية بعلمه الذي وضعه في الصدارة بين المتخصصين في الدراسات الإسرائيلية، ويكفي الأستاذ الجامعي عادة أن يُخلص في عطائه لطلابه فيربي أجيالاً من المتخصصين تحمل الراية من بعده، لكن عطاء البحراوي امتد إلى أوسع الآفاق وأرحبها، فكان الباحث القدير الذي ترك بصمته في المراكز البحثية وفي الصدارة منها مركز «بحوث الشرق الأوسط» التابع لجامعة عين شمس التي درس فيها وحصل على درجاته العلمية كافة منها بامتياز ومركز «الدراسات السياسية والاستراتيجية» بمؤسسة الأهرام ومركز «البحوث الاجتماعية والجنائية»، الذي قدم من خلاله واحدة من أهم دراساته عن اتجاهات ومشاعر الأسرى الإسرائيليين، وكان آخر عطائه في هذا الصدد تأسيس منتدى للدراسات الإسرائيلية جمع فيه الشباب المهتمين بهذه الدراسات على أساس تطوعي فكانت تجربة فريدة لم يمهله العمر فرصة لترسيخها، ولعل تلاميذه المخلصين يواصلون المسيرة من بعده، كما حاضر البحراوي في كافة الكليات الجامعية والأكاديميات العسكرية المهتمة بالشأن الإسرائيلي فضلاً عن وضعه علمه تحت تصرف وطنه فقدم كل ما طُلب منه من مشورة وقام بكل ما أوكل له من مهام تتصل بتخصصه، فضلاً عن كتاباته المنتظمة في أهم الصحف المصرية، وامتد عطاؤه إلى التدريس في الجامعات العربية من المغرب إلى المشرق في جامعات بنغازي وبغداد وجامعة الملك سعود فضلاً عن مساهمته الممتدة في صحيفة «الاتحاد» التي بدأت في منتصف الثمانينات وامتدت حتى أيامه الأخيرة بمقاله الأسبوعي في «وجهات نظر» الذي قدم مساهمات راقية.
ولقد وفر منتدى «الاتحاد» السنوي فرصة ذهبية لحوارات ممتدة مع الراحل الجليل عبر ساعات السفر وفعاليات المنتدى وما يجري على هامشه من لقاءات كشفت على الدوام واسع علمه وسمو خلقه في الحوار. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه خير الجزاء عما قدمه لوطنه وأمته.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟