صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

التنمية الإنسانية العالمية 2019


صدر مؤخراً تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية في العالم 2019، وقد خصص التقرير هذا العام لعدم المساواة في العالم، وما يمكن ويجب فعله لتحسين حياة الأفراد والأمم بمعالجة التفاوتات الحادة والمتنامية في الدول والمجتمعات، والتي صارت تعوق توزيع عوائد التنمية والإنفاق العام، بل إن أرقام النمو الاقتصادي حول الدخل والناتج المحلي الإجمالي والتي تعكس زيادة وتطوراً اقتصادياً يمكن أن تخفي حالة البؤس والتهميش التي تعيشها فئات واسعة من الأفراد والطبقات.
ويدعو تقرير الأمم المتحدة إلى تطوير أسس التقييم والمراجعة للنمو والإصلاح على نحو يتجاوز مؤشر الدخل لأجل ملاحظة أبعاد أخرى في التنمية وعدم المساواة، مثل الصحة والتعليم والكرامة واحترام حقوق الإنسان، ذلك أنها مؤشرات جوهرية قد تخفيها مؤشرات الدخل والثروة، وقد تجري في ظل النمو الاقتصادي تهديدات للوجود الإنساني وحرية الناس وقدراتهم لأجل تحقيق ما يتطلعون إليه في الحياة. فالحرمان في الصحة والتعليم بالنسبة للوالدين أو الأطفال ينشئ فوارق مستقبلية خطيرة بين الأفراد والطبقات لأنها تقلل من فرص الأطفال في النمو السليم واكتساب المهارات والمعارف اللازمة للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية وتحسين حياتهم، ما يعني أن عدم المساواة حكمت على الجيل الحالي بالحرمان والتهميش في المستقبل وربما ينقل هؤلاء بؤسهم إلى أبنائهم وأحفادهم. وكثيرا ما تضللنا التقارير الحكومية عن منجزاتها وهي تقدم صورا مجتزأة صحيحة لكنها تخفي حقائق راسخة عن عدم المساواة والتهميش والحرمان الذي تعيشه فئات واسعة من الناس.
إن الفروق في التنمية الإنسانية تعود بمتوالية من الآثار والتداعيات المستقبلية على الأمم والأفراد، فالأمم المتقدمة التي خفضت معدلات وفيات الأطفال تضمن فرص الحياة لمدة أطول لأبنائها من الأمم التي تعصف بأطفالها الأمراض وتزيد نسبة وفيات الأطفال فيها بسبب سوء التغذية ونقص المطاعيم والعناية الطبية، والأمم المتقدمة اليوم التي توفر الفرصة لنصف خريجي الثانوية للالتحاق بالجامعات تضمن مستقبلاً في العمل والكرامة أكثر من الأمم التي تقل فيها فرص التعليم الجيد والالتحاق بالجامعات. وببساطة فإن السياسات الجيدة تبنى على مقاييس جيدة، إذ لم تعد أرقام الناتج المحلي ومعدلات دخل الفرد تعكس النمو الحقيقي في ظل التفاوت الحاد المتصاعد في الدخل بين الأفراد والطبقات. وإذا لم تبادر الأمم إلى تصحيح حالة عدم المساواة تتراجع فرص الناس في القدرة على تولي أمورهم وإدارة أولوياتهم واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
وبقدر ما يساعد التقدم العلمي والتكنولوجي الأمم على تحسين الحياة، فإنه ينشئ أيضاً أدوات جديدة للاستئثار بالموارد والفرص، ما يقتضي أيضاً التفكير بسياسات ومقاييس جديدة للتنمية والإصلاح، فما كان من برامج وأفكار يصلح أو ينجح في فترة ماضية قد لا يظل مناسباً، هكذا فإن القرن الحادي والعشرين تشكله قوتان: التطور التكنولوجي أو ما صار يسمى الثورة الصناعية الرابعة، والتغير المناخي، إذ ينشئ هذان العاملان فرصا وتحديات جديدة مختلفة عما كان يواجه العالم من قبل، ومازال المستقبل الناشئ بفعل هذين العاملين غامضا، وهو غموض يثير بطبيعة الحال الخوف والقلق.
إن إمكانات الناس في المساواة كما يقول الفيلسوف الاقتصادي والحائز على جائزة نوبل، «أمارتيا سن» في حريتهم التي تمكنهم من المشاركة والاختيار في التنمية الإنسانية بما هي أساساً الصحة والتعليم والتكامل الاجتماعي، ولذلك فإن عدم المساواة تقاس ويؤشر إليها في الإمكانيات وليس في الدخل، ذلك أنه وببساطة يغير تطوير الإمكانات في مطالب الناس وتطلعاتهم ونظرتهم إلى حياتهم وذواتهم، ومن ثم العمل ليكونوا كما يحبون.
تركز الأمم (يجب أن تركز) على منح جميع أبنائها فرص الحياة والتعليم، وبذلك فإن الناس يكونون قادرين على الحياة في مستوى أفضل من غير مساعدة مباشرة بل إنهم يكونون قادرين على تحقيق رفعة ذويهم وأوطانهم ومساعدة غيرهم، ومن هنا تأتي أهمية المساواة في أنها تطلق طاقات الناس وعزائمهم، وقد يبدعون ويضيفون إلى أنفسهم وإلى العالم فرصا جديدة لتحسين الحياة.
اعتبر التقرير 61 دولة من بين 194 دولة (خمس منها لا يوجد عنها بيانات) دولا ذات تنمية إنسانية مرتفعة جداً، وقد جاءت الإمارات في مقدمة الدول العربية في مؤشرات التنمية (0.866) وفي المرتبة 35 عالمياً، تليها السعودية في المرتبة 36 (0.857) ثم قطر في المرتبة 41 (0.848) ثم البحرين في المرتبة 45 (0.833) ثم عُمان في المرتبة 47 (0.834) ثم الكويت في المرتبة 57 (0.808) وأما الدول العربية ذات التنمية المرتفعة (المجموعة الثانية) فهي حسب ترتيبها العالمي: الجزائر 82، تونس 91، لبنان 93، الأردن 102، ليبيا 110، مصر 116.
*كاتب وباحث أردني

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟