صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

يا لروعة المبدعات العراقيات

ثمان عراقيات تُسهمُ إبداعاتهن في كتاب يصدر قريباً بالإنجليزية عن حروب الأميركيين في الخليج (1991-2011). إحدى المبدعات عالمة آثار غامرت بحياتها عقب احتلال العراق بالذهاب إلى مناطق أقام فيها العسكريون الأميركيون مدارج لمروحياتهم، وطلبت منهم مغادرتها، محذرةً من أن معسكراتهم تهدد آثار أقدم الحضارات في التاريخ. وغامرت أيضاً بحياتها مؤرخةٌ عراقيةٌ في الفن ذهبت عقب الحرب مباشرة إلى بغداد للبحث عن مصير موجودات «متحف العراق للفن الحديث». وعراقيتان مبدعتان استُشهدتا نتيجة الحروب الأميركية على العراق، وثالثة أول من بادر إلى فضح فساد الاحتلال في مدونتها «بغداد تحترق» واشتهرت باسمها المستعار «فتاة دورة النهر» Riverbend. والرسامة هناء مال الله، المعروفة عالمياً بأسلوبها «تقنية التدمير». وفي إبداعات العراقيات نتعرف على الأرحام الروحية التي أنجبت شباب الانتفاضة العراقية، البسطاء، العنودين. فالعراقيات أينما كُنّ يشبه بعضهن بعضاً كزهور البراري الخشنة الملمس، الصلبة العود، البهية الطلعة.
عالمة الآثار زينب البحراني، أستاذة كرسي علوم الآثار وتاريخ الفن في «جامعة كولومبيا» بنيويورك، أعادت في كتابها «نساء بابل» ترميم صفحات مهمة في التاريخ العالمي، حيث تصدّت لمواضيع الأنوثة الحافلة بالنزاعات الأيديولوجية، وتناولتها في إطار حضارة نائية عن الغرب، وخارج مسلماته التاريخية الفكرية. وراجعت مجموع المفاهيم والنظريات الفلسفية الغربية التي تناولت مواضيع المرأة والجمال، والأنوثة، والحب، والجنس، والجنوسة.. من إيمانويل كانط، وهيغل، حتى فرويد، وغرامشي، وآلتوسير، وفوكو، ومدارس ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية.
وندى شبوط أستاذة تاريخ الفن في جامعة «نورث تكساس»، ذهبت إلى بغداد في يونيو 2003، حيث كشفت عن نهب موجودات «متحف الفن العراقي الحديث»، وعقدت ندوات وحملات عالمية لإنقاذ هذه الأعمال التي تعتبرها وثائق تاريخية. وتتحدث ندى شبوط في بحثها «دفاتر: شهادات أزمان منسية» عن أشكال «الفنان كريم ريسان، الذي يستخدم النص والصورة واللون في تصوير التشوش والارتباك اللذين يعكسان الوضع النفسي للمدينة الساقطة والناس».
والرسامة عفيفة لعيبي نموذج مدهش لاستقلالية المبدعات العراقيات، إذ تدّبَرَت عيشها بالرسم منذ كانت في سبعينيات القرن الماضي تلميذةً في «معهد الفنون الجميلة» ببغداد، ثمّ في «معهد سوريكوف» بموسكو، وفي التسعينيات وجدت في إيطاليا سوقاً لأعمالها التي تُصوِّر نساء وديعات الملامح، متينات الأبدان، «وتكاد تسمع صمتَهن الجلي، مثل نساء بيكاسو في لوحاته الكلاسيكية في عشرينيات القرن الماضي»، حسب أمينة «متحف غوودا» في أمستردام (هولندا) حيث تقيم حالياً عفيفة لعيبي، وابنها «آذار» الذي أصبح نحاتاً معروفاً في أوروبا.
ويعرفنا الكتاب بأعمال الراحلة نُهى الراضي، فنانة البقاء العراقي الجميل، التي جعلت الرسم والنحت والخزف والطباعة الفنية، وحتى الكتابة.. فقرات في مهرجان حياة يومية تمضي رغم أنف الحصار والحرب. ويعرض الكتاب لوحة عنوانها «اللامنتهية» للفنانة ليلى العطار، مديرة «المتحف العراقي للفن الحديث» في بغداد، التي استهدفت منزلها غارة جوية أميركية انتقامية، في يونيو 1993، لأنها رسمت صورة الرئيس بوش الأب في ممسحة الأحذية المشهورة في مدخل فندق الرشيد. وأودى القصف بحياتها وحياة زوجها، وفقدان ابنتها البصر. حدث ذلك خلال عهد الرئيس بيل كلينتون الذي اكتفى في إجابته على الصحفيين بالإشارة إلى القدرة العالية للقوات الجوية الأميركية!
وتُصوِّر الشاعرة دنيا ميخائيل مأساة العراقيات المغتربات: «أمس خسرت وطناً، كنت مسرعة جداً ولم أنتبه عندما سقط مني: كغصن مكسور من شجرة غافلة». وتكتب في ديوانها «الحرب تعمل بجد»، الذي تُرجم للإنجليزية، «يا للحظ! عثرتُ أخيراً على عظامه وجمجمته أيضاً في الكيس، الكيس بيدها، يُشبه بقية الأكياس، في الأيادي المرتجفة الأخرى، عظامه تُشبه آلاف العظامِ، في المقبرة الجماعية». وتُعّرف دنيا ميخائيل بنفسها: «أنا من جيل حرب ثمانينيات القرن الماضي..»، وتستدرك: «جيل التسعينيات أيضا من جيل الحرب، والجيل الذي أتى بعده أيضاً». وتتساءل: «متى يأتي جيل ما بعد الحرب؟».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟