صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«ممر كارتابور».. بادرة تسامح

ربما تعصف التوترات بالعلاقات بين الهند وباكستان، لكن الدولتين نحت الخلافات جانباً من أجل فتح ممر يسمح للحجاج السيخ بالسفر إلى واحدٍ من أقدس المزارات في قرية كارتابور في باكستان. ومن المتوقع أن يشهد الممر الذي يبلغ طوله أربعة كيلومترات مرور الآلاف من الزوار السيخ الذين يعبرون الحدود كل يوم.
يُعد ضريح السيخ الديني المعروف باسم «معبد دربار صاحب» واحداً من أكثر الأماكن تقديساً لأتباع ديانة السيخ. وقد بُنِيَ المعبد في الموقع الذي دُفن فيه «المرشد ناناك»، مؤسس الديانة، في القرن السادس عشر الميلادي. وبالرغم من أن المعبد يقع على بعد أربعة كيلومترات من الحدود الباكستانية الهندية، إلا أن الزوار السيخ القادمين من الهند لم تتح لهم فرصة زيارته بسبب التوترات بين البلدين.
وقد تم فتح الممر قبل ثلاثة أيام من الذكرى الـ 550 لمؤسس الديانة في وقت سابق من هذا الأسبوع. وأثناء قيامه بافتتاح معبر المسافرين الحدودي، المعروف أيضاً باسم «مركز التفتيش المتكامل»، حيث سيحصل الحجاج على تصريح للسفر عبر الممر الذي تم إنشاؤه حديثاً، شكر رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» نظيره الباكستاني «عمران خان» لتفهمه لمشاعر طائفة السيخ في الهند. وقد حضر الافتتاح ما يزيد على 12 ألفاً من الزوار السيخ القادمين من جميع أنحاء العالم، من بينهم خمسة آلاف حاج هندي. ومن المتوقع أن يزور الضريح نحو 30 ألف زائر كل يوم.
ليس ثمة شك في أن افتتاح معبر كارتابور هو إجراء مهم لبناء الثقة بين الهند وباكستان. لقد ازدادت العلاقات توتراً بين البلدين وهناك حاجة بالتأكيد لاتخاذ مثل هذه الخطوات لتخفيف حدة التوتر.
العلاقات بين البلدين كانت سيئة خلال الجزء الأكبر من العقدين الماضيين. وفي عام 2003، وقعت نيودلهي وإسلام آباد اتفاقية لوقف إطلاق النار، لكنهما واصلتا تبادل إطلاق النار من وقت لآخر على طول خط السيطرة أو الحدود الفعلية بين البلدين. وكثيراً ما كانت الهند تلقي باللوم على باكستان كونها السبب في تعزيز النزعة القتالية، وكانت تؤكد على أي حوار ثنائي بشأن العمل ضد الجماعات الإرهابية التي تعمل من باكستان. وعلى الجانب الآخر، كانت باكستان تؤكد أن كشمير هي القضية الرئيسية بين البلدين، وهو الموقف الذي حال دون أي حوار حقيقي بين البلدين.
ومع ذلك، منذ العام الماضي، وصلت العلاقات بين البلدين إلى مستوى جديد من التدني عقب مقتل 40 جندياً هندياً في وقت سابق من هذا العام. ومع ذلك، يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الشعور بالغبطة نتيجة لافتتاح ممر «كارتابور» سيُترجم إلى أي شيء أكثر من ذلك في العلاقات الهندية –الباكستانية.
وقد بدأت فكرة الممر لأول مرة في أوائل عام 1999 من قبل رئيسي وزراء الهند وباكستان آنذاك. وعلى مر السنين، كانت هناك محاولات عديدة لإنجازه. فقد طرح رئيس الوزراء الهندي السابق «مانموهان سينج»، خلال فترة ولايته الأولى كرئيس وزراء الهند، هذه القضية في خطاب ألقاه في إقليم البنجاب عام 2004. وفي وقت لاحق، تمت مناقشة الفكرة في عملية الحوار المركب بين الهند وباكستان، والتي بدأت في عام 2004. وفي عام 2008، أثار وزير الخارجية الهندي آنذاك «برناب موخارجي» مع نظيره الباكستاني «شاه محمود قرشي» فكرة «السفر من دون تأشيرة» إلى كارتابور، لكن هذه الفكرة لم تتحقق أيضاً. وبدأ العمل الجاد على ممر السلام هذا في العام الماضي فقط بعد أن أدى «عمران خان» اليمين الدستورية كرئيس وزراء باكستان. وأثناء افتتاحه للممر على الجانب الباكستاني، وصفه عمران خان بأن مثال على ما تدعو إليه التعاليم الإسلامية من تسامح واستيعاب الأقليات الدينية. ولا شك في أن ممر كارتابور يعد علامة على أهمية التسامح الديني في شبه القارة الهندية.
مثل هذه اللفتات بين الهند وباكستان في الماضي كانت دائماً عالقة في دائرة العلاقات الجيدة والسيئة بين البلدين. وعلى سبيل المثال، كانت هناك مشاعر إيجابية مماثلة بين الدولتين عندما سافر رئيس الوزراء الهندي «أتار بيهاري فاجباتي» إلى لاهور في حافلة عام 1999. ومع ذلك، فقد انهارت دبلوماسية الحافلة بعد ذلك بفترة وجيزة عقب الهجوم على البرلمان الهندي عام 2001. وتم استئناف خدمات الحافلات في عام 2003 لكنها تم تعليقها مرة أخرى. وبالمثل، تم تعليق خدمات السكك الحديدية حيث تراجعت العلاقات بين البلدين إلى مستويات متدنية جديدة.
لا شك أن ممر كارتابور يرمز لكيفية عمل البلدين سوياً فيما يتعلق بأي قضية. لكن من المهم أيضاً أن تحمي البلدان إجراءات بناء الثقة من التقلبات التي تشهدها العلاقة. كما يتعين على البلدين التأكد من أن هذا الممر لن ينتهي به الحال بأن يكون عرضة للتقلبات في العلاقات بين الهند وباكستان.
*مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟