صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

ما أعرفه.. عن الشيخ سلطان


رحل الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، رحمه الله. رحل الرجل الذي ساهم في التأسيس مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المؤسس الأول لصرح الإمارات العظيم، الثري برجال أمثال الشيخ سلطان وإخوانه الكرام أطال الله في أعمارهم ذخراً للوطن وعزاً متواصلاً له.
في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم، وبعد خروجي من أحد المساجد بالدولة، أوقفني شاب في حديث جانبي، وقبل أن ينطق ببنت شفة أغرورقت عيناه بالدموع. قلت له: إن الرجل لا يبكي حتى في الشدائد، ماذا جرى لك؟ لست أنا بل أختي فهي في وضع صحي صعب، فلا علاج لها في داخل الدولة وهي تعاني من «الخبيث» والداء العضال. فأخبرني بقصة طويلة في البحث عمن يأخذ على عاتقه تحمل تكاليف العلاج وهم عاجزون عنه. لغته يائسة ولسانه يشكو من التلعثم وقلبه منكسر على حالة أخته وهو الرجل المنكسر أمامها.
لا أتذكر حينها السبب المفاجئ لجريان اسم الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان على لساني من دون أي لحظة تفكير، فقلت له هل زرت الشيخ سلطان وعرضت عليه هذا الوضع؟
قال: لم يخطر ببالي، وأنا أفكر في كل الشيوخ الأكارم، فهو لا يعرفني وأنا لا أعرف أحداً في أبوظبي. قلت له: اذهب إلى أبوظبي وتوكل على الفتاح العليم، فإنه سيفتح لك مغاليق الأمور. وقلت له: بوهزاع لا يرد أحداً فسوف يستقبلك بوجه أبيض بشوش وقلب أكثر بياضاً، فقد سمعت عن فعاله الخيرة، وهو لا يلتفت إن كنت تعرفه عن قرب أو لا يعرفك، فالخير يجري بين يديه كالنهر الرقراق.
تركته يقلب الأمر بين جوانحه وخطوط تفكيره، فلم أره إلا بعد فترة ليست بالقصيرة، فأقبل عليّ باشاً يريد تقبيل رأسي فرفضت.
فأعلمني عن زيارته للشيخ سلطان وكيف أنه، رحمه الله، جهّز لأخته طائرة طبية خاصة بكل طاقمه التمريضي والطبي للسفر بها إلى لندن، حيث مكمن العلاج وفقاً للتقارير الطبية التي أوصت بذلك.
لكنه صمت قليلاً، ثم واصل الحديث عن رحلة العلاج التي توقفت في المطار، حيث فاضت روح أخته في الطائرة، وهو قدر الله الذي لا مرد له، ولا زال الرجل يلهج لسانه بالدعاء للشيخ سلطان، وإنْ كان القدر أسرع من العلاج.
الآن أذكر لكم ما الذي دفعني لإرشاد ذلك الرجل نحو الشيخ سلطان، في الفترة ذاتها قابلت شاباً مصراً على الزواج رغم شح إمكانياته المادية، فذكر لي قصته مع شاب آخر مر بنفس الظروف، فتوجه إلى حيث مجلس الشيخ سلطان طالباً منه العون على استكمال نصف دينه، فلم يتأخر عن ذلك قيد أنملة. وبدأ كل شاب متعسر في تكلفة زواجه يمر على الشيخ سلطان، رحمه الله، الذي كان عمله بمثابة مؤسسة أكثر من مجرد صندوق للزواج الذي يرتبط بقوانين وميزانية محدودة، أما الشيخ سلطان فكان يؤدي أكثر من ذلك الدور الاجتماعي من خارج القيود المؤسسية.
أما «مركز الشيخ سلطان للثقافة والإعلام»، فإنه صرح علمي شيده بسعة اطلاعه ومكتبته الشخصية الضخمة تحكي نيابة عنه.
لقد تشرفت بالنشر في المجلة الشهرية للمركز في مجال اهتمام الشيخ سلطان بالتراث، فقد تناولت لديهم تاريخ صيد اللؤلؤ في بحث مستقل، وكذلك نشرت لديهم بحثاً آخر عبارة عن فكرة لبناء متحف خاص بالسفن من خلاله يحكي تاريخ الدولة للأجيال عبر أصالة تراثها.
وقبل وفاته بيوم واحد كان آخر تغريدة له: «نبارك لجلالة السلطان قابوس وشعب سلطنة عُمان الشقيق اليوم الوطني الـ49، دمتم في سعادة وخير ومسيرة عامرة بالمنجزات في ظل قيادة فذة وحكيمة، الإمارات والسلطنة أُخوة متجذرة عبر التاريخ».
برحيل الشيخ سلطان فقدنا رجلاً معطاءً عليه من الله الرحمة والغفران وظلال الجنان الوارفة.
*كاتب إماراتي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟