صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

السياسة والتكنولوجيا.. سفير إماراتي للثورة الصناعية الرابعة


استحدثت دولة الإمارات العربية المتحدة منصب سفير الدولة للثورة الصناعية الرابعة، وسيتولى السفير تعزيز الدبلوماسية التكنولوجية وترسيخها وتمثيل حكومة الإمارات في إنشاء شراكات عالمية جديدة هدفها صناعة مستقبل أفضل، والإشراف على تعزيز حوكمة التشريعات التنظيمية والسياسات الداعمة للثورة الصناعية الرابعة وجلب أفضل ممارساتها للدولة. وسيعمل السفير على بناء فرص التعاون وتبادل الخبرات في مجال التكنولوجيا وبناء الجسور بين قطاعات الصناعة والتعليم، وتنسيق شراكات حكومة الإمارات مع الشركات والمؤسسات الرائدة في تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة، بما يسهم في تهيئة بيئة محفزة للتكنولوجيا تنعكس إيجاباً على قطاعات أخرى مثل السياسة والاقتصاد.
والحال أنه مثال ومناسبة للحديث عن التأثيرات الكبرى للتكنولوجيا على السياسة والاقتصاد، فالتكنولوجيا ليست مجرد اختراع تقني أو تطبيق علمي، لكنها تنشئ متوالية من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكن ما تنشئه الثورة الصناعية الرابعة أكثر من ذلك، إنها ليست تحولات متدرجة أو متوقعة متصلة بعالم الصناعة، لكنها تحولات استراتيجية، بمعنى أنها تنشئ سؤالاً جاثماً متواصلاً عن جدوى استمرار وبقاء كثير من المؤسسات والأعمال والقيم والأفكار والفلسفات كما السياسات والتشريعات، وتنشئ أيضاً تحولاً استراتيجياً بمعنى إنشاء موارد وأعمال ومؤسسات جديدة مختلفة عما سبق اختلافاً كبيراً، تكاد تبتدئ من الفراغ أو برابط ضعيف بالفلسفات والاتجاهات والخبرات والتجارب السابقة.
وكما شهدنا في عالم الصناعة نشوء منظومة من العلوم والفلسفات والاتجاهات والأفكار التي أسست لعالمنا الحاضر (والموشك على التغير وربما الاختفاء) مثل معاهدة ويستفاليا (1648) التي أسست للدولة الحديثة، ومفكرين وفلاسفة مثل فرانسيس بيكون، وإيمانويل كانط، واسحق نيوتن، وتوماس هوبز، وجون لوك، وآخرين ندين لهم بفهم واستيعاب العالم الجديد الذي تشكل على نحو مختلف عما استقرت عليه البشرية آلاف السنين، وبدا كما لو أنه نظام سياسي اقتصادي اجتماعي هبط على الأرض من غير توقع ولا موافقة أحد!
غلبت في السنوات الماضية مفاهيم جديدة كثيرة بكلمات مفتاحية، مثل «بلا» أو «ما بعد» أو «نهاية».. مصانع بلا عمال، مدارس بلا معلمين، إعلام بلا حدود، أو ما بعد الصناعة، ما بعد الحداثة، أو نهاية المركزية، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية التاريخ.. وهي تعبيرات وإنْ بدأت تنحسر، تعكس الإحساس بعمق التحولات، وفي الوقت نفسه غموضها، وعدم القدرة بعد على الإحاطة بها، فالحكمة تأتي محصلة لسلسلة من المعارف والتجارب والأحداث، أو كما يقال «بومة منيرفا» بما هي رمز الحكمة لا تحلق إلا في الغسق.
لكن أيضاً لا مناص من المغامرة في السعي المتواصل لالتقاط اللحظة وتشكيل الحكمة قبل الغسق! فربما يكون قد فات الأوان، أو أنها حكمة لا تفيد كثيراً، والتاريخ مليء بالأمثلة عن الفرص التاريخية التي أهدرت بسبب تفويت اللحظة، أو بسبب تشكيل استنتاجات وتقديرات خاطئة بناءً على مقدمات ومنهجيات تقليدية، كانت صحيحة أو تصلح وفق خبرات وأولويات قائمة، لكنها عاجزة عن ملاحظة ما يجري خارج حدودها. فقد فوت العرب والصينيون في القرن الخامس عشر فرصة ضاعت إلى الأبد عندما لم يوظفوا خبراتهم وعلومهم في الملاحة والجغرافيا وعلوم الفلك في عمليات جديدة في التجارة والكشوف الجغرافية، ولم يلاحظوا التطور الذي حدث في الغرب على صناعة السفن والإمكانيات الجديدة للملاحة البحرية، وإنها قصة تشبه الأسطورة عندما أظهر الغرب لهفة غير عادية على العلوم البحرية ليضيفوها إلى سفنهم الجديدة، على سبيل المثال قصة الحسن الوزان (ليون الأفريقي) الذي اختفى في عام 1520 ليقيم معززاً مكرماً أكثر من عشرين سنة في الفاتيكان ويقدم للأوروبيين علومه وخبراته الجغرافية، ومازال كتابه «وصف أفريقيا» والذي كتبه في أثناء غيابه الغامض متداولاً حتى اليوم، وكذا الإدريسي وابن ماجد وابن رشد، وغيرهم كثير ممن انتبه الغرب إلى معرفتهم وحكمتهم أكثر من العرب.
ولم يهتم نابليون بالمحرك البخاري في أوائل القرن التاسع عشر؛ لأنه لم يلاحظ فيه أهمية حربية، في حين التقط البريطانيون الفرصة لينشئوا ثورة هائلة في النقل البحري والبري وليؤسسوا عالماً جديداً بقيادتهم، ومازال التأثير البريطاني على العالم قائماً حتى عندما تحولت قيادة العالم إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي (الولايات المتحدة الأميركية) منذ أوائل القرن العشرين، وخرجت شركة نوكيا عملاق الاتصالات في مرحلة من الزمن؛ لأنها لم تلاحظ أهمية تطبيقات الموبايل «أندرويد».
المسألة ببداهة أن التكنولوجيا الجديدة تقتضي استجابات سياسية جديدة؛ لأنها وبطبيعة الحال تنشئ أعمالاً وموارد جديدة، ثم يتشكل حول هذه الموارد منظومات سياسية واجتماعية جديدة، ثم ثقافة وقيم جديدة، .. قد لا نكون نملك المعرفة التامة بالمستقبل لكننا نملك الاستعداد والتحوط.
*كاتب وباحث أردني

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟